أكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن التكتل لا يحتاج إلى جيش موحد، مشيرة إلى أن جيوش الدول الأعضاء مندمجة بالفعل في هيكل حلف شمال الأطلسي. تصريحها يأتي في وقت تتزايد فيه الدعوات لتعزيز الاستقلال الدفاعي الأوروبي.
في تصريح لافت أعاد فتح النقاش حول مستقبل الدفاع الأوروبي، أكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن التكتل لا يحتاج إلى إنشاء جيش موحد، وذلك لأن القوات المسلحة للدول الأعضاء تشكل أصلاً جزءاً من نظام الدفاع الجماعي لحلف شمال الأطلسي (الناتو).
جاءت تصريحات كالاس خلال مؤتمر صحفي عقدته في بروكسل، حيث أوضحت أن الأولوية حالياً يجب أن تكون لتعزيز التعاون القائم داخل الناتو بدلاً من إنشاء هيكل عسكري منفصل. وأشارت إلى أن الجهود المشتركة بين الحلف والاتحاد الأوروبي أثبتت فعاليتها في السنوات الأخيرة، خاصة في ظل التحديات الأمنية المتزايدة على الحدود الشرقية لأوروبا.
وأضافت كالاس أن فكرة الجيش الأوروبي الموحد تثير جدلاً كبيراً بين الدول الأعضاء، حيث تتباين الرؤى حول مدى الحاجة إليه وتأثيره على السيادة الوطنية. كما شددت على أن أي خطوة نحو تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية يجب أن تكون مكملة للناتو وليست بديلاً عنه.
هذا التصريح يأتي في وقت تشهد فيه العلاقات عبر الأطلسي توترات متصاعدة، مع تزايد الانتقادات الأمريكية للإنفاق الدفاعي الأوروبي. ويرى مراقبون أن موقف كالاس يعكس تياراً داخل الاتحاد الأوروبي يفضل الحفاظ على الوضع الراهن بدلاً من المغامرة بمشاريع طموحة قد تضعف التنسيق مع واشنطن.
من جهة أخرى، أشارت كالاس إلى أن الاتحاد الأوروبي يعمل على تعزيز صناعته الدفاعية من خلال مبادرات مثل صندوق الدفاع الأوروبي ومشاريع التنقل العسكري. وأكدت أن هذه الجهود تهدف إلى سد الفجوات في القدرات دون الحاجة إلى هيكل عسكري موحد.
ويأتي هذا النقاش في ظل الحرب الروسية في أوكرانيا، التي كشفت عن نقاط ضعف في التنسيق الأوروبي، لكنها أيضاً أظهرت قوة التضامن عبر الأطلسي. ويبدو أن كالاس تفضل البناء على هذا التضامن بدلاً من إعادة اختراع العجلة.
تجدر الإشارة إلى أن فكرة الجيش الأوروبي الموحد طرحت مراراً في الماضي، لكنها لم تحظَ بالإجماع اللازم. وتعتبر دول مثل فرنسا من أبرز الداعمين للفكرة، بينما تتردد دول أخرى مثل ألمانيا وبريطانيا (قبل خروجها) في الالتزام بمثل هذا المشروع.
في الختام، يمكن القول إن تصريح كالاس يعيد التأكيد على أن الناتو يبقى حجر الزاوية في الدفاع الأوروبي، وأن أي نقاش حول استقلالية أوروبا الدفاعية يجب أن يأخذ في الاعتبار العلاقة التكاملية مع الحلف.
رأي ستاف كوانتم
تحليلياً، يأتي تصريح كايا كالاس في لحظة حاسمة للعلاقات عبر الأطلسي، حيث تواجه أوروبا ضغوطاً متزايدة لتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها. الموقف الذي تبنته يعكس واقعاً جيوسياسياً معقداً: فمن ناحية، هناك حاجة ماسة لتعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية في مواجهة تهديدات مثل روسيا والإرهاب؛ ومن ناحية أخرى، لا تزال الدول الأوروبية تعتمد بشكل كبير على المظلة الأمنية الأمريكية.
على المدى القصير، من المرجح أن يؤدي هذا الموقف إلى تهدئة المخاوف الأمريكية من أن أوروبا تسعى إلى إنشاء هيكل دفاعي منافس. ومع ذلك، فإنه يثير تساؤلات حول مدى استعداد أوروبا لتحمل أعباء الدفاع عن نفسها في المستقبل، خاصة إذا استمرت الولايات المتحدة في تحويل أولوياتها الاستراتيجية نحو آسيا.
على المدى البعيد، قد يكون هذا الموقف غير قابل للاستمرار، خاصة مع تزايد الدعوات داخل أوروبا نفسها لتحقيق 'الحكم الذاتي الاستراتيجي'. وقد يؤدي الجمود الحالي إلى خلق فجوة بين التطلعات الأوروبية والواقع، مما قد يضعف الموقف التفاوضي للاتحاد الأوروبي في مواجهة شركائه.
اقتصادياً، يمثل الإنفاق الدفاعي تحدياً كبيراً لأوروبا، حيث لا تزال معظم الدول الأعضاء دون هدف الناتو المتمثل في إنفاق 2% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع. إن إنشاء جيش أوروبي موحد سيتطلب استثمارات هائلة، لكنه قد يحقق وفورات على المدى الطويل من خلال توحيد المشتريات وتقليل الازدواجية.
سياسياً، يعكس تصريح كالاس التوازن الدقيق بين الحفاظ على السيادة الوطنية وتعزيز التكامل الأوروبي. فالدول الأعضاء تريد تعاوناً أوثق لكنها تخشى فقدان السيطرة على قراراتها الدفاعية. وهذا الانقسام يعيق أي تقدم نحو مشاريع طموحة.
إقليمياً، قد يؤدي استمرار الوضع الراهن إلى إضعاف دور أوروبا في الأزمات القريبة منها، مثل منطقة الساحل أو الشرق الأوسط. فبدون قدرة على التحرك بسرعة وبشكل موحد، قد تجد أوروبا نفسها هامشية في الملفات التي تمس أمنها مباشرة.
في النهاية، يبدو أن كالاس تختار مساراً عملياً يتجنب الصدام مع واشنطن والدول الأعضاء المترددة، لكن هذا المسار يحمل في طياته مخاطر الركود. المستقبل سيكشف ما إذا كانت أوروبا ستتمكن من بناء نموذج دفاعي يجمع بين الاعتماد على الناتو والاستقلالية الاستراتيجية، أم أنها ستظل رهينة للانقسامات الداخلية.