في خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً كبيراً في السياسات الأمنية الأوروبية، لجأت عدة دول في القارة العجوز إلى زيادة إنفاقها العسكري بشكل غير مسبوق، في إطار ما يُعرف بخطط عسكرة أوروبا. غير أن هذه القرارات، التي جاءت بدافع تعزيز القدرات الدفاعية في مواجهة تهديدات خارجية متصورة، أسفرت عن عواقب اقتصادية داخلية وخيمة، أبرزها نزيف مالي حاد في الميزانيات العامة ووضع آلاف الشركات على شفا الانهيار.
تتسارع وتيرة التسلح في دول مثل ألمانيا وفرنسا وبولندا ودول البلطيق، حيث أعلنت برلين عن إنشاء صندوق خاص بقيمة 100 مليار يورو لتحديث جيشها، بينما رفعت باريس ميزانيتها الدفاعية بنسبة تتجاوز 40% خلال السنوات الخمس الماضية. وفي الوقت نفسه، تسعى دول أوروبية أخرى إلى رفع إنفاقها العسكري إلى ما نسبته 2% من الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً لالتزامات حلف شمال الأطلسي (الناتو). لكن هذا التوجه الدفاعي المتصاعد يأتي على حساب قطاعات حيوية أخرى مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية، مما يثير موجة من الاحتجاجات الاجتماعية والضغوط على الحكومات.
الأثر الاقتصادي لم يقتصر على الميزانيات العامة فحسب، بل امتد إلى القطاع الخاص الذي يعاني بالفعل من تداعيات التضخم وارتفاع أسعار الطاقة. فقد أدى تحويل الموارد المالية نحو الصناعات العسكرية إلى تقليص الدعم الحكومي للشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الأوروبي. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن آلاف الشركات في قطاعات مثل البناء والخدمات والتجزئة تواجه خطر الإفلاس بسبب نقص السيولة وارتفاع تكاليف الاقتراض.
كما أن سياسات العسكرة تخلق تشوهات هيكلية في أسواق العمل، حيث تتركز الاستثمارات في قطاعات محدودة مثل التصنيع العسكري والتكنولوجيا الدفاعية، بينما تتراجع فرص العمل في القطاعات المدنية. وهذا يهدد بارتفاع معدلات البطالة، خاصة بين الشباب، في وقت تعاني فيه أوروبا بالفعل من شيخوخة السكان ونقص في الأيدي العاملة الماهرة.
على الصعيد الإقليمي، تثير هذه التطورات قلقاً لدى دول الجوار، خاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تخشى من أن تؤدي عسكرة أوروبا إلى تحويل الانتباه والموارد بعيداً عن التعاون التنموي والشراكات الاقتصادية. كما أن السباق التسلحي الأوروبي قد يغذي توترات جديدة مع روسيا، مما يزيد من احتمالات التصعيد العسكري في المستقبل.
في الخلفية، تظل الأسئلة حول استدامة هذا النهج قائمة، إذ أن الاعتماد على الديون لتمويل الإنفاق العسكري يزيد من أعباء المديونية العامة، خاصة في دول مثل إيطاليا وإسبانيا التي تعاني أصلاً من نسب ديون مرتفعة. ويحذر خبراء الاقتصاد من أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى أزمة مالية عميقة تشبه تلك التي شهدتها القارة في أعقاب أزمة الديون السيادية عام 2010.
من ناحية أخرى، يرى مؤيدو سياسات العسكرة أن التحديات الأمنية الراهنة تبرر هذه التضحيات الاقتصادية، مشيرين إلى أن الاستثمار في الدفاع هو استثمار في الاستقرار طويل الأمد. لكن المعارضين يؤكدون أن الأولوية يجب أن تكون للرفاه الاجتماعي والتنمية المستدامة، داعين إلى إعادة توجيه الإنفاق نحو القطاعات المنتجة بدلاً من التسلح.
في المحصلة، تجد أوروبا نفسها أمام معادلة صعبة: كيف يمكن تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن والاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد ملامح المستقبل السياسي والاقتصادي للقارة في السنوات المقبلة.
