في زاوية ضيقة من مخيم النصيرات للاجئين، وسط أنقاض المباني المدمرة وأصوات الطائرات، ينبض قلب صغير بالإبداع. إنها ورشة الحرفي الفلسطيني سهيل أبو شويش، الذي رغم كل ما خلفته الحرب من دمار، يصر على إصلاح آلات العود والناي والآلات الموسيقية الأخرى. ورشته المؤقتة، التي أقيمت بين الخيام، أصبحت ملاذاً للفنانين والموسيقيين الذين فقدوا آلاتهم في القصف.
يقول أبو شويش، وهو يمسح الغبار عن عود قديم: 'الموسيقى ليست رفاهية، بل هي نبض الحياة. حين أعزف أو أصلح آلة، أشعر أنني أعيد الروح إلى غزة'. هذه الكلمات تلخص تحدياً يومياً يواجهه الحرفي في ظل شح الموارد وانقطاع الكهرباء وصعوبة توفير المواد الخام. يستخدم أبو شويش قطعاً خشبية من حطام المنازل المدمرة، وأوتاراً قديمة يعيد تدويرها، ليعيد الحياة لكل آلة تصل إليه.
المخيم، الذي يعد واحداً من أكبر مخيمات اللاجئين في غزة، يعاني من اكتظاظ سكاني ودمار واسع في البنية التحتية. لكن في هذا المشهد القاتم، تظل الموسيقى صوتاً للمقاومة والصمود. الحرفي لا يقتصر عمله على الإصلاح فحسب، بل يعطي دروساً مجانية للأطفال والشباب في العزف على العود، محاولاً زرع الأمل في قلوبهم بعيداً عن أصوات القنابل.
الطلب على خدماته يتزايد يومياً، إذ أن العديد من الفرق الموسيقية والمدارس الفنية فقدت آلاتها خلال الحرب. أبو شويش يعمل لساعات طويلة، غالباً تحت ضوء الشموع أو بواسطة بطاريات شمسية محدودة، ليتمكن من تسليم الأعمال في موعدها. يقول أحد الموسيقيين الذين استفادوا من خدماته: 'بدون سهيل، كانت أصواتنا ستخفت. هو من يحفظ لغتنا الموسيقية حية'.
لكن التحدي الأكبر يبقى في توفير قطع الغيار، إذ أن الحصار المفروض على غزة يمنع دخول المواد الأساسية. أبو شويش يعتمد على مهارته في الابتكار، يصنع المفاتيح من معادن قديمة، ويستبدل الأوتار التالفة بأوتار من أدوات أخرى. هذه البراعة الحرفية جعلت منه اسماً معروفاً في المخيم وخارجه.
القصة لا تتعلق فقط بإصلاح الآلات، بل هي شهادة على أن الحياة تستمر رغم كل شيء. أبو شويش يخطط لتوسيع ورشته ليضم متدربين جدد، مؤمناً بأن الموسيقى سلاح أقوى من أي قنبلة. في زمن الحرب، يصر هذا الحرفي على أن يعزف لحن الأمل، مذكراً العالم بأن غزة ليست مجرد أرقام ضحايا، بل هي روح تنبض بالإبداع والتحدي.
