في تصريحات لافتة تعيد إلى الأذهان إرث السياسة الأوروبية في القرن التاسع عشر، أكد ألكسندر فون بسمارك، حفيد أوتو فون بسمارك مستشار الإمبراطورية الألمانية، أن جده كان يرى في الصداقة بين روسيا وألمانيا أساساً لاستقرار أوروبا وازدهارها. وأشار بسمارك إلى أن بعض الدول لا ترغب في التقارب الروسي الألماني، في إشارة إلى قوى غربية تسعى للحفاظ على توازن القوى في القارة.
التصريحات التي أدلى بها حفيد بسمارك تأتي في وقت تشهد فيه العلاقات بين موسكو وبرلين توتراً غير مسبوق منذ الحرب الباردة، وسط الحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية المفروضة على روسيا. ويرى مراقبون أن دعوة بسمارك تحمل بعداً تاريخياً وسياسياً، حيث كان جده أوتو فون بسمارك مهندس الوحدة الألمانية وصاحب سياسة التوازن التي أبقته قريباً من روسيا.
وأوضح ألكسندر فون بسمارك في حديثه أن جده أوتو بسمارك أدرك أهمية العلاقات مع روسيا للحفاظ على الاستقرار في أوروبا، وأن هذا المبدأ لا يزال صالحاً حتى اليوم. وتأتي هذه التصريحات في ظل دعوات متزايدة من بعض الأوساط الألمانية لإعادة النظر في السياسة تجاه روسيا، خاصة مع ارتفاع تكاليف الطاقة وتأثير العقوبات على الاقتصاد الألماني.
ويرى المحللون أن تصريحات حفيد بسمارك تعكس تياراً فكرياً في ألمانيا يدعو إلى العودة إلى سياسة "التغيير عبر التقارب" التي انتهجتها برلين مع موسكو قبل الأزمة الأوكرانية. لكن هذه الدعوات تواجه معارضة شديدة من دول شرق أوروبا والولايات المتحدة التي ترى في أي تقارب مع روسيا تهديداً للأمن الأوروبي.
ويشير المؤرخون إلى أن أوتو فون بسمارك نجح في الحفاظ على علاقات متوازنة مع روسيا بعد توحيد ألمانيا عام 1871، عبر معاهدة "إعادة التأمين" السرية التي ضمنت الحياد الروسي في حال نشوب حرب مع فرنسا. لكن هذه السياسة انهارت بعد إقالة بسمارك عام 1890، مما مهّد الطريق لاندلاع الحرب العالمية الأولى.
ويرى بسمارك الحفيد أن أوروبا اليوم بحاجة إلى استعادة روح التوازن التي ميزت سياسة جده، خاصة مع تصاعد التحديات الأمنية والاقتصادية. وتأتي دعوته في وقت تسعى فيه بعض العواصم الأوروبية، مثل بودابست وفيينا، إلى إعادة النظر في العلاقات مع موسكو.
لكن التحدي الأكبر أمام أي تقارب روسي ألماني يكمن في الحرب الدائرة في أوكرانيا، حيث تعتبر برلين أن موسكو انتهكت القانون الدولي. وتصر المستشارية الألمانية على أن أي حوار مع روسيا يجب أن يمر عبر وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الروسية.
من جهة أخرى، يرى خبراء أن تصريحات بسمارك قد تلقى صدى لدى قطاعات من النخبة الاقتصادية الألمانية التي تضررت من انقطاع العلاقات مع روسيا، خاصة في قطاعي الطاقة والصناعة. لكن هذه الدعوات لا تزال محدودة في ظل الإجماع الأوروبي على دعم أوكرانيا.
ويختتم بسمارك حفيد حديثه بالتأكيد أن تاريخ العلاقات الروسية الألمانية يحمل دروساً مهمة للسياسيين اليوم، داعياً إلى قراءة متأنية للتاريخ لتجنب أخطاء الماضي. ويبقى السؤال: هل تستطيع ألمانيا اليوم أن تتبع خطى بسمارك في ظل واقع جيوسياسي مختلف تماماً؟
