ثقافة وفن

فيلم حب يخنق الذات: كيف دفعني "جبل بروكباك" للاختباء في صومعتي

ستاف كوانتم·فريق التحرير٢٨ يونيو ٢٠٢٦ في ٠٨:١٠ ص4 دقائق قراءة
فيلم حب يخنق الذات: كيف دفعني "جبل بروكباك" للاختباء في صومعتي

يتذكر كاتب هذه السطور تجربته الأولى مع فيلم "جبل بروكباك"، حيث شاهد الفيلم في سن الرابعة عشرة مع والدته، وأثار فيه مشاعر متضاربة جعلته يخفي إعجابه به لسنوات. يكشف المقال كيف أن الفيلم، الذي يتناول قصة حب بين راعيين في وايومنغ، عكس صراعه الداخلي مع هويته ومشاعر الخوف من التمييز.

كان عمري أربعة عشر عاماً عندما شاهدت لأول مرة قبلين بين رجلين على الشاشة. كان ذلك في عام 2006، حين استأجرت والدتي فيلم "جبل بروكباك" من متجر "بلوكباستر" المحلي. قالت إنها أمسية سينمائية "خاصة" لنا وحدنا. خلال الساعتين وأربع عشرة دقيقة التالية، تابعت قصة راعيي غنم، إينيس ديل مار (هيث ليدجر) وجاك تويست (جيك جيلنهال)، اللذين يقعان في حب بعضهما في ريف وايومنغ الجميل، ليجد هذا الحب نفسه مخنوقاً بتوقعات جامدة من الرجولة واحتقار الذات. يبلغ الفيلم ذروته بموت جاك المفاجئ، ويلمح إلى احتمال أنه كان ضحية جريمة كراهية عنيفة بدافع رهاب المثلية.

بعد انتهاء الفيلم، لم أقل شيئاً. جلست صامتاً، أتظاهر بأنني لم أتأثر. قالت والدتي إن الفيلم كان "حزيناً جداً"، وأومأت برأسي موافقاً. لكن في داخلي، كان هناك زلزال. شعرت بالخوف، ليس من الفيلم نفسه، بل من رد فعلي عليه. كان الفيلم يعكس شيئاً عني لم أكن مستعداً لمواجهته.

في السنوات التالية، أقنعت نفسي أنني لا أحب الفيلم. كنت أقول إنه بطيء وممل، وإن القصة مأساوية بلا داع. لكن الحقيقة كانت أنني كنت خائفاً من أن يعرف أحد كم تأثرت به. كلما رأيت مشهداً من الفيلم على التلفاز أو في إعلان، كنت أغير القناة بسرعة. كان الفيلم بمثابة مرآة لم أكن مستعداً للنظر فيها.

مع مرور الوقت، ومع تقدمي في العمر وتغير المجتمع تدريجياً، بدأت أتصالح مع مشاعري. أعدت مشاهدة الفيلم في العشرينات من عمري، وهذه المرة بكيت بلا خجل. أدركت أن الفيلم لم يكن مجرد قصة حب، بل كان تأملاً في الخسارة، والألم، والتضحية التي يفرضها الخوف. كان الفيلم صادقاً في تصويره لصراع داخلي يعيشه الكثيرون.

اليوم، أصبح "جبل بروكباك" أحد أفلامي المفضلة. أعود إليه كل عام تقريباً، وأجد فيه شيئاً جديداً في كل مرة. لم يعد الفيلم يمثل خوفاً، بل أصبح رمزاً للشجاعة والقدرة على الحب رغم كل الظروف. إنه يذكرني بأن بعض القصص تحتاج وقتاً لتستوعبها، وأن القبول الذاتي رحلة تستحق العناء.

في النهاية، لم يبقني الفيلم في الخزانة، بل ساعدني على الخروج منها. لكن الأمر استغرق سنوات لأفهم ذلك.

رأي ستاف كوانتم

تحريرياً، يقدم فيلم "جبل بروكباك" أكثر من مجرد قصة حب مثلية؛ إنه وثيقة اجتماعية تلتقط لحظة تحول في الثقافة الشعبية. صدر الفيلم في عام 2005، في وقت كان فيه النقاش حول حقوق المثليين في الولايات المتحدة لا يزال محتدماً، مع تنامي الدعوات لتشريع زواج المثليين. استطاع الفيلم، بقصته المؤثرة وأدائه المتميز، أن يصل إلى جمهور عريض لم يكن معتاداً على رؤية مثل هذه القصص على الشاشة الكبيرة.

تاريخياً، تمثل الأفلام التي تتناول قضايا المثليين مرآة لتغير المواقف الاجتماعية. في الخمسينيات والستينيات، كانت الشخصيات المثلية غالباً ما تُصوَّر بشكل سلبي أو مأساوي، إن ظهرت على الإطلاق. لكن مع أفلام مثل "جبل بروكباك" و"فيليبس موريس" و"كارول"، بدأت السينما في تقديم قصص أكثر تعقيداً وإنسانية.

اقتصادياً، حقق الفيلم نجاحاً كبيراً، حيث تجاوزت إيراداته 178 مليون دولار عالمياً مقابل ميزانية 14 مليون دولار. هذا النجاح أظهر أن الأفلام التي تتناول قضايا المثليين يمكن أن تكون مربحة، مما شجع الاستوديوهات على إنتاج المزيد من المحتوى المتنوع.

سياسياً، أثار الفيلم جدلاً في بعض الدوائر المحافظة، لكنه حظي بإشادة واسعة من النقاد والجمهور. فاز بثلاث جوائز أوسكار، بما في ذلك أفضل مخرج وأفضل سيناريو مقتبس. كما حصل على جوائز الغولدن غلوب والبافتا.

إقليمياً، أثر الفيلم على المجتمعات العربية بشكل غير مباشر، حيث دفع الكثيرين إلى مناقشة قضايا الهوية الجنسية في سياقات ثقافية مختلفة. بينما لا يزال موضوع المثلية حساساً في المنطقة، إلا أن الفيلم فتح نافذة للحوار.

مستقبلياً، يمكن القول إن تأثير الفيلم استمر في الأفلام اللاحقة مثل "Call Me by Your Name" و"Moonlight"، التي واصلت دفع حدود تمثيل المثليين في السينما. يظل "جبل بروكباك" معلماً ثقافياً يذكرنا بقوة الفن في تغيير النفوس والعقول.

في الختام، هذا المقال الشخصي يسلط الضوء على كيف يمكن لفيلم واحد أن يؤثر في حياة فرد، وكيف أن الرحلة من الإنكار إلى القبول هي رحلة عالمية. بينما لا نستطيع التكهن بكل القصص الفردية، إلا أننا ندرك أن الفن يمكن أن يكون جسراً نحو التفاهم.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من ثقافة وفن

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →