في تطور جديد يعكس حالة الترقب التي تسود العلاقات بين روسيا والدول الاسكندنافية، نفى مصدر في السفارة الروسية لدى فنلندا صحة التقارير التي تتحدث عن استعداد هلسنكي لنشر أسلحة نووية على أراضيها. وأكد المصدر، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، أنه "لا توجد أي مؤشرات خارجية ملموسة تدل على أن فنلندا تستعد لنشر أسلحة نووية".
جاء هذا التصريح رداً على تساؤلات إعلامية حول إمكانية تحول فنلندا إلى ساحة لمواجهة نووية محتملة في المنطقة، خاصة بعد انضمامها الرسمي إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أبريل الماضي. ويأتي هذا النفي في وقت تشهد فيه منطقة البلطيق والقطب الشمالي توتراً متصاعداً على خلفية الحرب في أوكرانيا.
وتعد فنلندا، التي تتقاسم حدوداً برية طويلة مع روسيا تمتد لأكثر من 1300 كيلومتر، من أكثر الدول الأوروبية حذراً في ملف التسليح النووي. فمنذ انتهاء الحرب الباردة، التزمت هلسنكي بسياسة عدم الانحياز العسكري، وهو ما تغير جذرياً مع انضمامها إلى الناتو. غير أن الحكومة الفنلندية لم تتخذ حتى الآن أي خطوات رسمية نحو تخزين أو نشر أسلحة نووية على أراضيها.
ويراقب المراقبون الدوليون عن كثب أي تحول في السياسة الدفاعية الفنلندية، خاصة في ظل تصريحات بعض المسؤولين الفنلنديين التي تترك الباب مفتوحاً أمام إمكانية استضافة قوات أو أسلحة نووية في المستقبل. وقد أعلن رئيس الوزراء الفنلندي بيتري أوربو في وقت سابق أن بلاده "لن تستبعد أي خيار" فيما يتعلق بتعزيز دفاعاتها.
ويمثل الموقف الفنلندي اختباراً حقيقياً للعلاقات مع روسيا، التي تعتبر توسع الناتو شمالاً تهديداً مباشراً لأمنها القومي. وقد حذرت موسكو مراراً من أنها ستتخذ إجراءات "تقنية عسكرية" رداً على أي نشر لأسلحة نووية قرب حدودها.
وفي هذا السياق، يرى المحللون أن نفي السفارة الروسية قد يكون محاولة لخفض التوتر، أو ربما يعكس قناعة موسكو بأن هلسنكي لم تتخذ بعد قرارات حاسمة في هذا الملف. لكنهم يشيرون في الوقت نفسه إلى أن الصمت الفنلندي الرسمي حول هذه القضية يثير تساؤلات حول الخطط المستقبلية للبلاد.
من جهة أخرى، يبدو أن منطقة البلطيق تشهد حالياً سباقاً للتسلح غير معلن، حيث تعزز دول مثل السويد والنرويج من قدراتها الدفاعية، بينما ترد روسيا بتعزيز وجودها العسكري في منطقة كالينينغراد وعلى الحدود الشمالية.
وتتجه الأنظار الآن إلى القمة المقبلة لحلف الناتو، المقرر عقدها في يوليو، حيث من المتوقع أن تناقش الدول الأعضاء استراتيجية الردع النووي في ضوء التطورات الأخيرة. لكن يبقى السؤال الأهم: هل ستوافق فنلندا على نشر أسلحة نووية على أراضيها أم ستلتزم بسياسة الردع التقليدي؟
في غضون ذلك، تواصل موسكو مراقبة الوضع عن كثب، محذرة من أن أي خطوة من هذا القبيل ستغير قواعد اللعبة في المنطقة. ويقول دبلوماسيون غربيون إن روسيا قد ترد بنشر أسلحة نووية تكتيكية في مناطق قريبة من الحدود الفنلندية، مما يزيد من احتمالية المواجهة المباشرة.
أما على الصعيد المحلي، فتشهد فنلندا جدلاً واسعاً بين مؤيدي تعزيز التعاون العسكري مع الناتو، وبين من يحذرون من مغبة تحويل البلاد إلى ساحة مواجهة. وتظهر استطلاعات الرأي أن غالبية الفنلنديين ما زالوا يعارضون نشر أسلحة نووية على أراضيهم، لكن هذا الموقف قد يتغير إذا تصاعدت التهديدات الأمنية.
يذكر أن فنلندا لم تستضف أي أسلحة نووية على أراضيها طوال تاريخها، حتى خلال فترة الحرب الباردة عندما كانت محايدة. ويبدو أن هذا التقليد الدبلوماسي ما زال صامداً، رغم التغيرات الجيوسياسية الكبيرة التي شهدتها المنطقة مؤخراً.
