سياسة

أذربيجان تدعو إسرائيل لإلغاء اعترافها بـ"إبادة الأرمن" وسط توتر دبلوماسي

ستاف كوانتم·فريق التحرير٢٩ يونيو ٢٠٢٦ في ١١:٤١ ص5 دقائق قراءة
أذربيجان تدعو إسرائيل لإلغاء اعترافها بـ"إبادة الأرمن" وسط توتر دبلوماسي

دعت وزارة الخارجية الأذربيجانية إسرائيل إلى إعادة النظر في قرارها الاعتراف بوصف أحداث 1915 بأنها "إبادة جماعية للأرمن"، معتبرة أن الخطوة تضر بالعلاقات الثنائية وتتناقض مع المصالح المشتركة بين البلدين.

في تطور دبلوماسي لافت، وجهت جمهورية أذربيجان دعوة رسمية إلى إسرائيل تطالبها فيها بإعادة النظر في قرارها الأخير بالاعتراف بـ"الإبادة الجماعية للأرمن" التي وقعت في نهاية عهد الإمبراطورية العثمانية. وجاء هذا الموقف عبر بيان صادر عن وزارة الخارجية الأذربيجانية، نددت فيه بشدة بهذه الخطوة الإسرائيلية، واصفة إياها بأنها "قرار غير مدروس" قد ينعكس سلباً على مسار العلاقات الثنائية بين باكو وتل أبيب.

وأكدت الخارجية الأذربيجانية أن هذا الاعتراف يتناقض مع أسس التعاون الاستراتيجي الذي يجمع البلدين، خاصة في مجالات الطاقة والأمن والدفاع. وأشار البيان إلى أن أذربيجان تعتبر هذا القرار "انحيازاً تاريخياً" يضر بمصالحها القومية، في وقت تسعى فيه باكو إلى تعزيز دورها الإقليمي كشريك موثوق لكل من إسرائيل والعالم العربي.

ويأتي هذا الموقف الأذربيجاني في سياق حساس تشهده منطقة القوقاز، حيث تخوض أذربيجان وأرمينيا نزاعاً طويل الأمد حول إقليم ناغورني قره باغ. وتعتبر باكو أن أي اعتراف دولي بـ"الإبادة الجماعية للأرمن" يستخدم كورقة ضغط سياسية ضدها، ويمنح أرمينيا مزايا دبلوماسية في المحافل الدولية.

وتحاول أذربيجان عبر هذه الدعوة إعادة التوازن إلى علاقاتها مع إسرائيل، التي تشهد تطوراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، خاصة في المجال العسكري والتجاري. وتعد إسرائيل أحد أهم موردي الأسلحة لأذربيجان، حيث تشير تقديرات إلى أن تل أبيب زودت باكو بأنظمة متطورة بقيمة تتجاوز مليار دولار خلال العقد الماضي.

من جهة أخرى، يرى مراقبون أن قرار إسرائيل بالاعتراف بـ"الإبادة الجماعية للأرمن" يأتي في إطار محاولات تل أبيب تحسين صورتها الدولية بعد انتقادات واسعة لسياساتها تجاه الفلسطينيين. كما أنه قد يكون رداً على ضغوط من اللوبي الأرمني في الولايات المتحدة وأوروبا.

وتثير هذه التطورات تساؤلات حول مستقبل العلاقات الإسرائيلية-الأذربيجانية، التي تعتبر نموذجاً للتعاون بين دولة يهودية ودولة مسلمة. فبينما تسعى باكو إلى الحفاظ على هذه الشراكة الاستراتيجية، فإنها لا تريد أن تدفع ثمن قرارات إسرائيلية قد تعقد موقفها الإقليمي.

ويبدو أن أذربيجان تحاول من خلال لهجتها الدبلوماسية الحازمة إرسال رسالة واضحة إلى إسرائيل مفادها أن أي خطوة من هذا القبيل ستواجه بردود فعل مماثلة. وتشير المصادر إلى أن باكو قد تلجأ إلى خيارات أخرى إذا لم تستجب تل أبيب لطلبها، من بينها تقليص التعاون العسكري أو التوجه نحو تنويع شركائها الدوليين.

في المقابل، قد تجد إسرائيل نفسها في مأزق بين مصالحها مع أذربيجان وضغوط اللوبي الأرمني في الداخل والخارج. وتتوقع مصادر دبلوماسية أن تحاول تل أبيب احتواء الموقف عبر قنوات دبلوماسية غير معلنة، مع إبقاء قرارها الاعتراف قائماً من حيث المبدأ.

وتأتي هذه الأزمة في وقت حساس تشهد فيه منطقة القوقاز تحولات جيوسياسية كبرى، مع تنافس القوى الكبرى مثل روسيا وتركيا وإيران على النفوذ. وتعتبر أذربيجان حليفاً مهماً لكل من تركيا وإسرائيل، مما يمنحها ثقلاً في المعادلات الإقليمية.

ويرى محللون أن هذا الخلاف قد يكون مؤقتاً، نظراً للارتباطات الاقتصادية والأمنية العميقة بين البلدين. لكنه في الوقت نفسه يكشف عن هشاشة العلاقات في ظل تغير الأولويات السياسية لكل طرف.

وتسعى أذربيجان من خلال تحركها هذا إلى تذكير إسرائيل بأن التعاون لا يمكن أن يستمر دون احترام المصالح الحيوية لكل طرف. كما تحاول باكو استخدام هذه الورقة لتعزيز موقفها في أي مفاوضات مستقبلية مع أرمينيا بشأن النزاع في قره باغ.

وبينما تنتظر الأوساط الدبلوماسية رد إسرائيل الرسمي، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت تل أبيب ستتراجع عن قرارها أم ستتمسك به تحت ضغوط داخلية وخارجية. وفي كلتا الحالتين، ستكون لهذه الأزمة تداعياتها على المشهد الإقليمي الأوسع.

رأي ستاف كوانتم

تحليل تحريري: بين الحسابات الإقليمية والضغوط الدولية، تواجه إسرائيل وأذربيجان اختباراً لشراكتهما الاستراتيجية. فمن جهة، تعتبر أذربيجان حليفاً لا غنى عنه لإسرائيل في منطقة القوقاز، حيث توفر باكو لإسرائيل منصة للتواصل مع العالم الإسلامي والوصول إلى موارد الطاقة في بحر قزوين. وفي المقابل، تقدم إسرائيل لأذربيجان تقنيات عسكرية متطورة ودعماً دبلوماسياً في مواجهة أرمينيا. هذا التبادل المصالح جعل العلاقات بين البلدين نموذجاً للتعاون عبر الحدود الدينية والثقافية.

لكن اعتراف إسرائيل بـ"الإبادة الجماعية للأرمن" يضع هذه الشراكة تحت المجهر. فمن ناحية، قد ترى أذربيجان في هذا القرار خيانة للثقة، خاصة أنها تعتبر نفسها الضحية الرئيسية لسياسات التوسع الأرمنية في قره باغ. ومن ناحية أخرى، قد تكون إسرائيل تحاول استرضاء اللوبي الأرمني في الولايات المتحدة وأوروبا، أو ربما تسعى إلى تحسين صورتها الدولية بعد انتقادات واسعة لسياساتها تجاه الفلسطينيين.

السيناريو الأول: قد تنجح الضغوط الأذربيجانية في دفع إسرائيل إلى التراجع عن قرارها، إما بشكل رسمي أو عبر صياغات دبلوماسية مخففة. وهذا السيناريو سيعزز موقف باكو ويؤكد قدرتها على التأثير في قرارات حلفائها. لكنه قد يثير حفيظة اللوبي الأرمني ويضعف مكانة إسرائيل في المحافل الدولية.

السيناريو الثاني: قد تتمسك إسرائيل بقرارها، مما يؤدي إلى توتر حقيقي في العلاقات الثنائية. وفي هذه الحالة، قد تلجأ أذربيجان إلى تقليص التعاون العسكري أو البحث عن شركاء جدد، مثل الصين أو روسيا، لتلبية احتياجاتها الدفاعية. وهذا سيكون خسارة كبيرة لإسرائيل، التي تعتبر أذربيجان سوقاً مهماً لصناعاتها العسكرية.

السيناريو الثالث: قد يتم احتواء الأزمة عبر تفاهمات غير معلنة، حيث تلتزم إسرائيل بعدم توسيع نطاق اعترافها أو استخدامه في سياقات أخرى، بينما تعلن أذربيجان رضاها بهذا التطمين. وهذا السيناريو هو الأكثر ترجيحاً، نظراً لرغبة الطرفين في الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية.

في المحصلة، تعكس هذه الأزمة تعقيد العلاقات الدولية في منطقة القوقاز، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية والأمنية مع الذاكرة التاريخية والحساسيات القومية. وستظل كرة الثلج تتمايل بين تل أبيب وباكو، بانتظار من يوجهها في الاتجاه الذي يخدم مصالحه.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من سياسة

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →