في العام 1975، وبعد أكثر من عامين من المونتاج المتواصل، كانت المخرجة إيلين ماي لا تزال غارقة في تفاصيل فيلمها العصاباتي "مايكي ونيكي". كان العمل شاقاً ومؤلماً، ليس فقط لأنه فيلمها الشخصي الأقرب إلى قلبها، بل لأن شركة باراماونت بيكتشرز ورئيسها التنفيذي باري ديلر كانا قد نفذا صبرهما. في محاولة يائسة للحفاظ على سيطرتها الفنية على الفيلم، قامت ماي ببيعه سراً إلى شركة وهمية تدعى "أليس فيلمز"، يُعتقد أنها أنشئت بالتعاون مع نجم الفيلم بيتر فالك وعدد من المتآمرين الآخرين. لكن الصفقة فشلت، وأصدر القاضي أمراً قضائياً يلزمها بتسليم الفيلم لباراماونت. نفذت ماي الأمر، لكنها احتفظت ببكرتين أساسيتين اختفتا بطريقة غامضة حتى وافقت الاستوديو على السماح لها بالإشراف على المونتاج النهائي. يصور فيلم "مايكي ونيكي"، الذي تدور أحداثه في فنادق رخيصة ومطاعم فيلادلفيا، لقاءً طويلاً ومليئاً بالقلق بين رجلي عصابات. الأول، نيكي الذي يؤدي دوره جون كاسافيتس، هارب بعد سرقته لزعيمه. الثاني، مايكي الذي يجسده بيتر فالك، ممزق بين إخفاء صديقه المقرب أو تسليمه. نيكي يريد الهروب من القاتل المأجور الذي يطارده، لكنه أيضاً يريد شرب الجعة والذهاب إلى السينما ولعب لعبة الأيدي الساخنة مع مايكي في الحافلة. أما مايكي فيريد رعاية نيكي، كما يفعل منذ زمن طويل. يحاول إطعامه مضادات الحموضة والحليب لعلاج قرحة معدته، لكنه أيضاً رب أسرة تجاوز علاقته القديمة مع صديقه. يمتد تاريخ الصداقة بينهما لعقود، ورغم الحب الواضح في كل نظرة وإشارة بينهما، فإن العلاقة مثقلة بتاريخ من الخيانات الصغيرة والإهانات التي لا تبقى في الذاكرة إلا عندما تعرف وتحب أحداً حقاً. في قلب هذا الفيلم غير التقليدي عن العصابات، يكمن واحد من أجمل وأقسى تصوير للصداقة الذكورية على الشاشة. هذا الفيلم، الذي لقي استحساناً نقدياً لكنه فشل تجارياً، هو الآن محور معرض استعادي جديد لأعمال إيلين ماي. المخرجة التي وُصفت طموحاتها بأنها "هائلة" وتم تهميشها لعقود، تحظى أخيراً بالتقدير الذي تستحقه. يسلط المعرض الضوء على مسيرتها كواحدة من رائدات الإخراج النسائي في هوليود، حيث تحدت الصور النمطية والقيود المفروضة على النساء في صناعة السينما. ولدت إيلين ماي في عام 1932، وبدأت مسيرتها الكوميدية مع مايك نيكولز في فرقة "نيكولز وماي" الشهيرة. بعد نجاحها في الكوميديا، انتقلت إلى الإخراج المسرحي ثم السينمائي. أخرجت أفلاماً مثل "قلب جديد" و"إسكندر الحاوي"، لكن فيلمها الأكثر جرأة هو "مايكي ونيكي" الذي يعكس أسلوبها الفريد في المزج بين الواقعية القاسية والعاطفة الإنسانية. رغم الصعوبات التي واجهتها مع الاستوديوهات، استمرت ماي في العمل كمخرجة وكاتبة سيناريو، لكنها ظلت مهمشة في صناعة يهيمن عليها الرجال. الآن، مع إعادة اكتشاف فيلمها الأكثر جرأة، يبدو أن الزمن قد حان للاعتراف بعبقريتها. يقول النقاد إن أعمالها كانت سابقة لعصرها، وتتناول مواضيع مثل الصداقة والخيانة والولاء بطريقة لم يسبق لها مثيل. يأتي هذا التقدير المتأخر في وقت تشهد فيه هوليود حركة لتكريم المخرجات المهملات. وقد عبر زملاؤها عن سعادتهم بهذا الاهتمام المتجدد، مؤكدين أنها فتحت الباب أمام جيل كامل من المخرجات. لكن يبقى السؤال: لماذا استغرق الأمر كل هذا الوقت؟
إعادة اكتشاف إيلين ماي: مخرجة هوليود الرائدة تنال التقدير بعد عقود من التهميش

بعد سنوات من التعتيم على مسيرتها، تحتفي الساحة السينمائية بإيلين ماي، المخرجة التي كسرت قيود هوليود الذكورية بفيلمها "مايكي ونيكي". تعيدنا أعمالها إلى زمن كانت فيه المرأة مضطرة لخوض معارك شرسة لإثبات وجودها خلف الكاميرا.
تحريرياً، يمكن النظر إلى قصة إيلين ماي على أنها مرآة تعكس تحديات أوسع تواجه النساء في الصناعات الإبداعية عالمياً. على المستوى المحلي، أي داخل هوليود، فإن التقدير المتأخر لماي يسلط الضوء على نظام متجذر من التحيز الجندري الذي يحد من فرص المخرجات في الحصول على التمويل والتوزيع. اقتصادياً، يوضح هذا المثال كيف أن الأفلام التي تتحدى التوقعات التجارية قد تواجه عقبات، لكنها قد تصبح ذات قيمة ثقافية كبيرة على المدى الطويل. سياسياً، يأتي هذا التقدير في سياق حركة #MeToo التي كشفت عن التمييز في الصناعة، مما دفع إلى إعادة تقييم تراث النساء المبدعات. إقليمياً، يمكن مقارنة الحالة مع منطقتنا العربية حيث تواجه المخرجات تحديات مماثلة في الوصول إلى الموارد والاعتراف. عالمياً، تعكس قصة ماي كفاحاً مشتركاً للنساء في السينما، ويشير هذا الاعتراف إلى تحول بطيء نحو مساواة أكبر. مستقبلياً، نتوقع أن تستمر المؤسسات السينمائية في إعادة اكتشاف أعمال مخرجات أخريات، مما سيعزز التنوع ويثري المشهد الثقافي العالمي.