في تطور لافت يعكس تنامي التوتر بين دول الساحل الأفريقي والقوى الاستعمارية السابقة، أعلن المجلس العسكري الحاكم في بوركينا فاسو مساء الجمعة قطع العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا، متهمًا باريس بالعمل ضد مصالح واغادوغو ودعم "الشبكات التخريبية والإرهابيين" في المنطقة.
وجاء القرار في بيان رسمي بثته وكالة الأنباء البوركينابية، حيث حمل المجلس العسكري بقيادة الكابتن إبراهيم تراوري فرنسا مسؤولية تدهور الأوضاع الأمنية في البلاد، مشيرًا إلى أدلة على تورط أجهزة فرنسية في دعم جماعات مسلحة تهدف إلى زعزعة استقرار الحكومة الانتقالية.
من جانبها، وصفت وزارة الخارجية الفرنسية الخطوة بأنها "عدائية" و"لا أساس لها من الصحة"، معتبرة أنها تعكس "الانحراف المقلق للسلطات البوركينابية". ودعت باريس مواطنيها في بوركينا فاسو إلى توخي الحذر، مؤكدة أنها ستدرس تداعيات القرار على المصالح الفرنسية في المنطقة.
ويأتي هذا القرار بعد أشهر من التدهور التدريجي في العلاقات بين البلدين، حيث شهدت العاصمة واغادوغو مظاهرات شعبية تطالب برحيل القوات الفرنسية ورفض الهيمنة الغربية. وكانت بوركينا فاسو قد طلبت في وقت سابق من العام الجاري إعادة تقييم الاتفاقيات العسكرية مع فرنسا، التي تنشر حوالي 400 جندي في البلاد ضمن عمليات مكافحة الإرهاب.
ويعد قطع العلاقات خطوة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات الفرنسية-البوركينابية، ويعكس تحولًا جذريًا في السياسة الخارجية لواغادوغو نحو التوجه شرقًا، خاصة مع روسيا وتركيا. ويأتي القرار أيضًا في سياق موجة من المشاعر المعادية لفرنسا في منطقة الساحل، حيث شهدت دول مثل مالي والنيجر انقلابات عسكرية تبعتها إجراءات مماثلة ضد الوجود الفرنسي.
ويرى مراقبون أن بوركينا فاسو تسير على خطى جارتها مالي، التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع فرنسا العام الماضي، في محاولة لتعزيز السيادة الوطنية وتنويع الشراكات الدولية. ومع ذلك، فإن القرار يحمل مخاطر جمة، إذ تعتمد واغادوغو بشكل كبير على المساعدات الدولية والاستثمارات الأوروبية لمواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية.
وكان الجيش البوركينابي قد استولى على السلطة في انقلابين خلال عام واحد، الأول في يناير 2022 بقيادة اللفتنانت كولونيل بول هنري سانداوغو داميبا، والثاني في سبتمبر من العام نفسه بقيادة الكابتن إبراهيم تراوري. ومنذ توليه الحكم، اتخذ تراوري خطوات متسارعة لتعزيز العلاقات مع روسيا والصين، مع تقليص التعاون مع القوى الغربية التقليدية.
وفي سياق متصل، تشهد بوركينا فاسو تصاعدًا في الهجمات الإرهابية المرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش، مما أسفر عن مقتل آلاف المدنيين وتشريد أكثر من مليوني شخص داخل البلاد. وتتهم الحكومة الانتقالية فرنسا بالتقاعس عن تقديم الدعم الكافي في مكافحة الإرهاب، بل وتذهب إلى أبعد من ذلك بالقول إن القوات الفرنسية تتواطأ مع المسلحين.
وتعد فرنسا القوة الاستعمارية السابقة لبوركينا فاسو، التي نالت استقلالها عام 1960. وظلت العلاقات بين البلدين وثيقة لعقود، لكنها شهدت توترات متزايدة منذ الانقلاب الأخير، خاصة مع صعود الخطاب القومي المناهض للغرب.
ويرى المحللون أن هذا القرار قد يؤدي إلى عزل بوركينا فاسو دبلوماسيًا، خاصة مع تمسك الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بموقف داعم لفرنسا. كما أن التداعيات الاقتصادية قد تكون وخيمة، إذ تعتمد البلاد على المساعدات الأوروبية في تمويل موازنتها ومشاريع التنمية.
وفي الوقت نفسه، قد تفتح الخطوة الباب أمام تعاون أمني أوسع مع روسيا، التي تسعى إلى توسيع نفوذها في أفريقيا عبر تقديم الدعم العسكري والاستخباراتي. وقد أعلنت موسكو بالفعل عن استعدادها لتعزيز التعاون مع بوركينا فاسو في مجالات مكافحة الإرهاب والتدريب العسكري.
ويبقى السؤال حول مدى قدرة بوركينا فاسو على تحمل تبعات هذا القرار، في ظل أزمة إنسانية متفاقمة واقتصاد هش. فالحكومة الانتقالية تواجه تحديات كبيرة في توفير الخدمات الأساسية للمواطنين، فضلاً عن الحاجة إلى دعم دولي لتمويل عملياتها العسكرية ضد الجماعات المسلحة.
ومع ذلك، يبدو أن المجلس العسكري رهن كل شيء في رهانه على تعزيز السيادة الوطنية، حتى لو كان الثمن هو العزلة الدولية. ويأتي هذا التوجه في سياق إقليمي أوسع، حيث تتجه دول الساحل نحو تشكيل تحالفات جديدة بعيدًا عن القوى التقليدية، سعيًا لتحقيق أمنها واستقرارها بطرق مستقلة.
