سياسة

بريطانيا تسعى لرفع الإنفاق الدفاعي قبل قمة الناتو لكن العجز المالي يقيد الطموحات

ستاف كوانتم·فريق التحرير٢٧ يونيو ٢٠٢٦ في ١١:٠٢ م4 دقائق قراءة
بريطانيا تسعى لرفع الإنفاق الدفاعي قبل قمة الناتو لكن العجز المالي يقيد الطموحات

أعلن وزير الدفاع البريطاني الجديد دان جارفيس عن مسعى حكومي لزيادة الإنفاق الدفاعي قبيل قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، في وقت يؤكد فيه خبراء أن بريطانيا تعاني من عجز مالي يحول دون الوفاء بالتزاماتها تجاه الحلف.

كشف وزير الدفاع البريطاني الجديد دان جارفيس عن سعي الحكومة لرفع الإنفاق الدفاعي قبيل قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) المقررة في أنقرة، في خطوة تهدف إلى تعزيز القدرات العسكرية للبلاد وتلبية التزاماتها الحلفية. وجاء هذا الإعلان في وقت تشهد فيه بريطانيا ضغوطاً مالية متزايدة نتيجة عجز الموازنة وارتفاع تكاليف الاقتراض، مما يضع قيوداً صارمة على أي توسع في الإنفاق الحكومي.

وخلال تصريحات أدلى بها أمام لجنة الدفاع في البرلمان، شدد جارفيس على أهمية الاستثمار في الجيش لمواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة، لا سيما في ظل التوترات الجيوسياسية في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط. لكنه لم يقدم تفاصيل دقيقة حول حجم الزيادة المقترحة أو مصادر التمويل، مكتفياً بالإشارة إلى أن الحكومة تعمل على إيجاد حلول مبتكرة لتحقيق التوازن بين الاحتياجات الدفاعية والقيود المالية.

ويرى مراقبون أن هذا التحرك يأتي في سياق ضغوط متزايدة تمارسها واشنطن وبعض العواصم الأوروبية على لندن لزيادة إنفاقها الدفاعي إلى مستوى 3% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يتجاوز الهدف الحالي البالغ 2% الذي حدده حلف الناتو. ووفقاً لتقارير صادرة عن وزارة الدفاع البريطانية، فإن البلاد تنفق حالياً حوالي 2.1% من ناتجها المحلي على الدفاع، لكن هذا الرقم يظل دون الطموحات المطلوبة في ظل تزايد الأعباء الأمنية.

ويعاني الاقتصاد البريطاني من تباطؤ ملحوظ في النمو، مع ارتفاع معدلات التضخم وزيادة أعباء الديون العامة، مما يجعل أي زيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي أمراً صعباً دون خفض النفقات في قطاعات أخرى أو رفع الضرائب. ويشير خبراء اقتصاديون إلى أن الحكومة تواجه معضلة حقيقية في تمويل التزاماتها الدفاعية دون التأثير سلباً على الخدمات العامة التي تعاني أصلاً من تقليصات.

من جهة أخرى، يرى محللون عسكريون أن بريطانيا تعاني من نقص في العتاد والقوى البشرية، حيث شهدت قواتها المسلحة تراجعاً في أعداد الجنود والمعدات خلال العقدين الماضيين. ويطالب قادة الجيش بزيادة عاجلة في الميزانية لتحديث الأسلحة وتعزيز الجاهزية القتالية، خاصة في ظل التهديدات الروسية المتزايدة على الحدود الشرقية لأوروبا.

وتأتي قمة الناتو في أنقرة في وقت حساس، حيث تسعى الدول الأعضاء إلى تنسيق استراتيجياتها الدفاعية في مواجهة التحديات الأمنية الجديدة، بما في ذلك الحرب في أوكرانيا والتهديدات الإرهابية. ومن المتوقع أن تتصدر قضايا الإنفاق الدفاعي أجندة القمة، مع دعوات متكررة من الولايات المتحدة لأعضاء الحلف لتحمل حصة أكبر من المسؤولية المالية.

ويرى بعض السياسيين البريطانيين أن رفع الإنفاق الدفاعي ليس مجرد التزام حلفي، بل ضرورة استراتيجية للحفاظ على مكانة المملكة المتحدة كقوة عسكرية عالمية. ومع ذلك، فإن الواقع المالي الصعب يفرض قيوداً صارمة قد تعرقل أي طموحات في هذا الاتجاه، مما يضع الحكومة أمام اختبار صعب في كيفية الموازنة بين الأمن والاقتصاد.

في غضون ذلك، يتابع المجتمع الدولي عن كثب تطورات الموقف البريطاني، حيث يعتبر أي تقليص في الإنفاق الدفاعي لبريطانيا بمثابة إضعاف للردع الجماعي لحلف الناتو. وتتجه الأنظار إلى القمة المقبلة لمعرفة ما إذا كانت لندن ستتمكن من تقديم تعهدات ملموسة تعزز ثقة حلفائها في قدرتها على الوفاء بالتزاماتها.

رأي ستاف كوانتم

في تحليلنا التحريري، نرى أن إعلان وزير الدفاع البريطاني عن السعي لرفع الإنفاق الدفاعي يأتي في لحظة محورية للسياسة الدفاعية البريطانية، لكنه يصطدم بواقع اقتصادي قاسٍ. فبريطانيا، التي كانت ذات يوم إحدى القوى العسكرية العظمى، تجد نفسها اليوم أمام معضلة حقيقية: كيف يمكنها الحفاظ على دورها الريادي في حلف الناتو وهي تواجه عجزاً متزايداً في الميزانية وديوناً عامة آخذة في الارتفاع؟

من الناحية التاريخية، شهدت بريطانيا تقلبات كبيرة في إنفاقها الدفاعي منذ نهاية الحرب الباردة، حيث خفضت ميزانيتها العسكرية بشكل كبير في تسعينيات القرن الماضي، ثم عادت لزيادتها بعد هجمات 11 سبتمبر. لكن الأزمة المالية العالمية في 2008 وما تلاها من سياسات تقشفية أدت إلى تراجع حاد في الإنفاق الدفاعي، وهو ما انعكس سلباً على قدرات الجيش البريطاني.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تعاني بريطانيا من تباطؤ النمو وارتفاع التضخم، مما يحد من قدرة الحكومة على زيادة الإنفاق دون اللجوء إلى الاقتراض أو خفض النفقات في قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم. ويشير تحليل حديث إلى أن كل زيادة بنسبة 0.1% في الإنفاق الدفاعي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي تكلف الخزانة حوالي 2.5 مليار جنيه إسترليني سنوياً، وهو مبلغ ضخم في ظل الظروف الحالية.

وعلى الصعيد السياسي، تواجه الحكومة البريطانية ضغوطاً متناقضة: فمن جهة، يطالب الحلفاء في الناتو بزيادة الإنفاق الدفاعي لمواجهة التهديدات الروسية، ومن جهة أخرى، يطالب الرأي العام المحلي بتحسين الخدمات العامة وتخفيف الأعباء الضريبية. وهذا الوضع يضع رئيس الوزراء أمام خيارات صعبة قد تؤثر على استقرار حكومته.

وبالنظر إلى المستقبل، نتوقع أن تشهد بريطانيا زيادة تدريجية ومحدودة في الإنفاق الدفاعي، قد لا ترقى إلى مستوى الطموحات التي يعلن عنها الوزراء. فالحكومة ستسعى إلى إرضاء حلفائها من خلال التزامات سياسية، لكنها ستواجه صعوبات في ترجمتها إلى أرقام فعلية بسبب القيود المالية. وقد تلجأ لندن إلى حلول مبتكرة مثل الشراكات بين القطاعين العام والخاص أو إعادة هيكلة الأولويات الدفاعية لتحقيق أقصى استفادة من الموارد المحدودة.

في المحصلة، يبدو أن بريطانيا تسير على حبل مشدود بين طموحاتها الدفاعية وقدراتها المالية، وهو ما سيبقى محوراً للنقاش في قمة الناتو المقبلة وفي السياسة البريطانية خلال السنوات القادمة.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من سياسة

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →