كشف وزير الدفاع البريطاني الجديد دان جارفيس عن سعي الحكومة لرفع الإنفاق الدفاعي قبيل قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) المقررة في أنقرة، في خطوة تهدف إلى تعزيز القدرات العسكرية للبلاد وتلبية التزاماتها الحلفية. وجاء هذا الإعلان في وقت تشهد فيه بريطانيا ضغوطاً مالية متزايدة نتيجة عجز الموازنة وارتفاع تكاليف الاقتراض، مما يضع قيوداً صارمة على أي توسع في الإنفاق الحكومي.
وخلال تصريحات أدلى بها أمام لجنة الدفاع في البرلمان، شدد جارفيس على أهمية الاستثمار في الجيش لمواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة، لا سيما في ظل التوترات الجيوسياسية في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط. لكنه لم يقدم تفاصيل دقيقة حول حجم الزيادة المقترحة أو مصادر التمويل، مكتفياً بالإشارة إلى أن الحكومة تعمل على إيجاد حلول مبتكرة لتحقيق التوازن بين الاحتياجات الدفاعية والقيود المالية.
ويرى مراقبون أن هذا التحرك يأتي في سياق ضغوط متزايدة تمارسها واشنطن وبعض العواصم الأوروبية على لندن لزيادة إنفاقها الدفاعي إلى مستوى 3% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يتجاوز الهدف الحالي البالغ 2% الذي حدده حلف الناتو. ووفقاً لتقارير صادرة عن وزارة الدفاع البريطانية، فإن البلاد تنفق حالياً حوالي 2.1% من ناتجها المحلي على الدفاع، لكن هذا الرقم يظل دون الطموحات المطلوبة في ظل تزايد الأعباء الأمنية.
ويعاني الاقتصاد البريطاني من تباطؤ ملحوظ في النمو، مع ارتفاع معدلات التضخم وزيادة أعباء الديون العامة، مما يجعل أي زيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي أمراً صعباً دون خفض النفقات في قطاعات أخرى أو رفع الضرائب. ويشير خبراء اقتصاديون إلى أن الحكومة تواجه معضلة حقيقية في تمويل التزاماتها الدفاعية دون التأثير سلباً على الخدمات العامة التي تعاني أصلاً من تقليصات.
من جهة أخرى، يرى محللون عسكريون أن بريطانيا تعاني من نقص في العتاد والقوى البشرية، حيث شهدت قواتها المسلحة تراجعاً في أعداد الجنود والمعدات خلال العقدين الماضيين. ويطالب قادة الجيش بزيادة عاجلة في الميزانية لتحديث الأسلحة وتعزيز الجاهزية القتالية، خاصة في ظل التهديدات الروسية المتزايدة على الحدود الشرقية لأوروبا.
وتأتي قمة الناتو في أنقرة في وقت حساس، حيث تسعى الدول الأعضاء إلى تنسيق استراتيجياتها الدفاعية في مواجهة التحديات الأمنية الجديدة، بما في ذلك الحرب في أوكرانيا والتهديدات الإرهابية. ومن المتوقع أن تتصدر قضايا الإنفاق الدفاعي أجندة القمة، مع دعوات متكررة من الولايات المتحدة لأعضاء الحلف لتحمل حصة أكبر من المسؤولية المالية.
ويرى بعض السياسيين البريطانيين أن رفع الإنفاق الدفاعي ليس مجرد التزام حلفي، بل ضرورة استراتيجية للحفاظ على مكانة المملكة المتحدة كقوة عسكرية عالمية. ومع ذلك، فإن الواقع المالي الصعب يفرض قيوداً صارمة قد تعرقل أي طموحات في هذا الاتجاه، مما يضع الحكومة أمام اختبار صعب في كيفية الموازنة بين الأمن والاقتصاد.
في غضون ذلك، يتابع المجتمع الدولي عن كثب تطورات الموقف البريطاني، حيث يعتبر أي تقليص في الإنفاق الدفاعي لبريطانيا بمثابة إضعاف للردع الجماعي لحلف الناتو. وتتجه الأنظار إلى القمة المقبلة لمعرفة ما إذا كانت لندن ستتمكن من تقديم تعهدات ملموسة تعزز ثقة حلفائها في قدرتها على الوفاء بالتزاماتها.
