في تطور خطير يهدد استقرار المنطقة، نفذت القوات الجوية الباكستانية سلسلة غارات جوية ليلية على مناطق في شرق أفغانستان، أسفرت عن سقوط 36 قتيلاً من المدنيين، وفق ما أعلنته حكومة طالبان في كابل. وجاءت هذه الضربات بعد أيام من هجوم دام نسب إلى مسلحين باكستانيين متحصنين على الأراضي الأفغانية.
وأكدت مصادر محلية في ولاية خوست وكونار أن الغارات استهدفت قرى سكنية، ما أدى إلى تدمير عدة منازل وإصابة العشرات. وأظهرت صور متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد دمار واسع وجثث متناثرة، وسط حالة من الذعر بين السكان.
من جانبها، بررت إسلام آباد العملية بأنها استهدفت معاقل جماعة مسلحة منشقة عن حركة طالبان الباكستانية، التي تشن هجمات داخل الأراضي الباكستانية. وأكدت مصادر عسكرية باكستانية أن الضربات دقيقة وحصرت الأضرار بالمسلحين، نافية سقوط ضحايا مدنيين.
وتأتي هذه الضربات في وقت تشهد فيه العلاقات بين باكستان وطالبان الأفغانية توتراً متزايداً، حيث تتهم إسلام آباد حكومة طالبان بعدم بذل جهود كافية لملاحقة المسلحين الذين يشنون هجمات عبر الحدود. ورفضت طالبان الأفغانية مراراً هذه الاتهامات، معتبرة أن الأراضي الأفغانية لا تستخدم لتهديد جيرانها.
وتصاعدت حدة التوتر بعد هجوم استهدف موقعاً عسكرياً باكستانياً في الأيام الأخيرة، وأسفر عن مقتل عدد من الجنود. ورداً على ذلك، لوحت باكستان باتخاذ إجراءات أحادية إذا لم تتحرك طالبان ضد المسلحين.
وتعكس هذه الضربة الجديدة مدى تعقيد الوضع الأمني في المنطقة، حيث تتداخل المصالح الإقليمية والدولية. كما أنها تزيد من الضغوط على حكومة طالبان التي تسعى إلى ترسيخ شرعيتها الداخلية والخارجية.
ويشير مراقبون إلى أن هذه الضربات قد تؤدي إلى تصعيد عسكري أوسع، خاصة إذا ردت طالبان الأفغانية عسكرياً. كما أنها قد تؤثر على جهود السلام والمصالحة في أفغانستان، وتعمق الانقسامات داخل الحركة نفسها.
وتأتي هذه التطورات في وقت تستعد فيه المنطقة لاستضافة مؤتمر دولي حول أفغانستان، يهدف إلى تنسيق المساعدات الإنسانية والجهود الدبلوماسية. ومن المتوقع أن تثير هذه الضربات انتقادات دولية واسعة، خاصة من منظمات حقوق الإنسان التي تدعو إلى حماية المدنيين.
وفي رد فعل أولي، دعت الأمم المتحدة إلى ضبط النفس والتحقيق في الحادث، محذرة من تداعياته على المدنيين. كما أعربت عدة دول عن قلقها إزاء التصعيد العسكري على الحدود.
من ناحية أخرى، تواجه باكستان انتقادات داخلية من أحزاب المعارضة التي تتهم الحكومة بتجاهل سيادة أفغانستان وخرق القانون الدولي. وفي المقابل، تدعو أوساط عسكرية إلى تشديد الضغط على طالبان لتسليم المطلوبين.
أما على الصعيد الإنساني، فقد أعلنت الهيئات المحلية في أفغانستان حالة الطوارئ لاستقبال الجرحى وتوفير الإيواء للمتضررين. ودعت المنظمات الإنسانية إلى فتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات.
ويبقى السؤال الأهم: كيف ستتعامل طالبان مع هذا التحدي لأمنها وسيادتها؟ وهل ستنجح الضغوط الباكستانية في دفع الحركة إلى تغيير موقفها تجاه المسلحين؟ أم أن المنطقة مقبلة على جولة جديدة من عدم الاستقرار؟
