دولي

باكستان تنتقل من الردع إلى الضربات الاستباقية ضد داعش على الحدود الأفغانية

ستاف كوانتم·فريق التحرير٢٨ يونيو ٢٠٢٦ في ٠٩:٣٣ م5 دقائق قراءة
باكستان تنتقل من الردع إلى الضربات الاستباقية ضد داعش على الحدود الأفغانية

أعلنت باكستان تنفيذ عملية عسكرية دقيقة استهدفت مسلحي تنظيم داعش على طول الحدود مع أفغانستان، في تحول نوعي من الاستراتيجية الدفاعية إلى الهجوم الاستباقي. العملية تعكس تصاعد القلق الإقليمي من تمدد التنظيم رغم جهود طالبان السابقة.

أعلن وزير الإعلام الباكستاني عطاء الله ترار، اليوم، أن قوات بلاده المسلحة نفذت عملية عسكرية نوعية تضمنت توجيه ضربات محددة ودقيقة استهدفت مسلحي تنظيم "داعش" على طول الحدود مع أفغانستان. العملية، التي وصفتها مصادر أمنية بأنها الأولى من نوعها من حيث النطاق والتوقيت، تأتي في إطار تصعيد إسلام أباد لجهودها في مكافحة الإرهاب بعد سلسلة من الهجمات الدامية التي شهدتها البلاد مؤخراً.

وأوضح ترار في مؤتمر صحفي أن العملية تمت بالتنسيق الكامل مع الأجهزة الأمنية المعنية، وأنها ركزت على مواقع محددة يعتقد أنها ملاذات آمنة لعناصر داعش الذين يستغلون التضاريس الوعرة على الحدود لشن هجمات داخل الأراضي الباكستانية. وأكد أن العملية أسفرت عن تدمير عدد من البنى التحتية للتنظيم، دون أن يقدم تفاصيل دقيقة عن عدد القتلى أو الأسرى.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تشهد فيه العلاقات الباكستانية الأفغانية توتراً متصاعداً، حيث تتهم إسلام أباد حكومة طالبان في كابل بعدم بذل جهود كافية لضبط الحدود ومنع تسلل المسلحين. وتشير التقديرات إلى أن تنظيم داعش في خراسان، وهو الفرع الإقليمي للتنظيم الأم، يضم مئات المقاتلين وينشط بشكل رئيسي في المناطق الحدودية بين البلدين.

وقد لاقت العملية ترحيباً واسعاً في الأوساط السياسية والأمنية الباكستانية، حيث اعتبرتها خطوة ضرورية لردع التهديدات الإرهابية المتزايدة. غير أن محللين حذروا من أن مثل هذه العمليات قد تؤدي إلى توتر أكبر مع طالبان، التي قد تراها انتهاكاً لسيادتها الإقليمية.

وعلى الصعيد الميداني، أفادت تقارير محلية بأن القوات الباكستانية استخدمت طائرات مسيرة ومروحيات هجومية في تنفيذ الضربات، مما يعكس تطوراً في القدرات العسكرية الباكستانية في مجال الحرب غير المتماثلة. كما أشارت المصادر إلى أن العملية استمرت لعدة ساعات متواصلة، وتم خلالها قطع خطوط الإمداد اللوجستية للتنظيم.

من جانبه، لم يصدر أي تعليق رسمي من حكومة طالبان الأفغانية على العملية حتى الآن، لكن مصادر إعلامية أفغانية نقلت عن مسؤولين محليين قولهم إنهم لم يتلقوا أي إخطار مسبق من الجانب الباكستاني. هذا الصمت قد يعكس حالة من الحيرة أو التردد في كيفية الرد على هذه الخطوة غير المسبوقة.

وتأتي العملية في سياق إقليمي معقد، حيث تسعى باكستان إلى تعزيز موقفها الأمني في مواجهة جماعات متطرفة تتخذ من أفغانستان ملاذاً لها، خاصة بعد انسحاب القوات الأمريكية وتولي طالبان السلطة. وتعتبر إسلام أباد أن استقرار أفغانستان مرتبط بشكل مباشر بأمنها القومي، مما يجعلها تتحرك بشكل أكثر حزماً في الفترة الأخيرة.

ويبقى السؤال الأهم: هل ستنجح هذه الضربات الاستباقية في تقويض قدرات داعش على المدى الطويل، أم أنها ستؤدي إلى تفاقم الوضع الأمني في المنطقة؟ المراقبون يرون أن الإجابة تعتمد على مدى قدرة باكستان على الحفاظ على الزخم العملياتي، ومدى تعاون طالبان في ملاحقة المسلحين على أراضيها.

رأي ستاف كوانتم

التحليل التحريري:

على الصعيد السياسي، تمثل العملية الباكستانية انعطافة واضحة في استراتيجية إسلام أباد تجاه التهديدات العابرة للحدود. فبعد سنوات من الاعتماد على الضغوط الدبلوماسية والتفاهمات غير المعلنة مع طالبان، تختار باكستان الآن لغة القوة المباشرة. هذا التحول يعكس إحباطاً متراكماً من عدم تحقيق تقدم ملموس في ملف الإرهاب عبر القنوات التقليدية، خاصة مع تزايد الهجمات داخل باكستان والتي أوقعت عشرات القتلى في الأشهر الأخيرة. كما أن التوقيت – أي قبل أسابيع من زيارة مرتقبة لمسؤولين أمريكيين – قد يحمل رسالة ضمنية لواشنطن مفادها أن باكستان قادرة على حماية حدودها بنفسها.

اقتصادياً، تشكل العمليات العسكرية المكثفة عبئاً إضافياً على ميزانية باكستان التي تعاني أصلاً من أزمة مالية حادة. فتكاليف التسليح والاستخبارات والعمليات البرية تتطلب موارد ضخمة قد تضطر الحكومة إلى إعادة توجيهها من قطاعات حيوية كالصحة والتعليم. لكن في المقابل، قد يؤدي تحسن الأمن على المدى الطويل إلى جذب الاستثمارات الأجنبية، خاصة في مشاريع البنية التحتية المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق الصينية. فالمستثمرون يضعون الاستقرار الأمني كشرط أساسي لأي التزام مالي، وهو ما تدركه إسلام أباد جيداً.

إقليمياً، تضع العملية دول الجوار في موقف حرج. فإيران من جهة قد ترى فيها سابقة لتدخلات عسكرية أحادية الجانب قد تهدد حدودها الشرقية، بينما تنظر الهند من جهة أخرى إلى التحرك الباكستاني كدليل على فشل طالبان في السيطرة على الأوضاع، مما قد يعزز موقف نيودلهي الداعي إلى نهج أكثر تشدداً تجاه كابل. كما أن دول الخليج، التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع باكستان، قد تجد نفسها مضطرة لدعم إسلام أباد لوجستياً وسياسياً حفاظاً على توازن القوى في المنطقة.

إنسانياً، يثير القصف المكثف على المناطق الحدودية مخاوف جدية من سقوط ضحايا مدنيين، خاصة في ظل صعوبة التمييز بين مقاتلي داعش والسكان المحليين في تلك المناطق النائية. وقد شهدت باكستان سابقاً انتقادات دولية بسبب عملياتها العسكرية في المناطق القبلية، حيث تسببت في نزوح آلاف الأسر. لذلك، سيكون من الضروري أن تتبنى إسلام أباد إجراءات شفافة وفتح تحقيقيات مستقلة في أي خسائر بشرية لضمان عدم تحول الدعم الشعبي إلى احتجاجات.

مستقبلياً، قد تشكل هذه العملية بداية مرحلة جديدة من التدخلات الباكستانية في أفغانستان، قد تصل إلى إنشاء منطقة عازلة أمنية على غرار ما تفعله تركيا في شمال سوريا. غير أن المخاطر كبيرة: فقد تؤدي الضربات الاستباقية إلى دفع داعش إلى التشتت في عمق الأراضي الأفغانية، مما يصعب ملاحقتهم، أو قد تدفعهم إلى التحالف مع جماعات متطرفة أخرى. كما أن رد فعل طالبان سيكون حاسماً: إذا اختارت المواجهة، فإن باكستان ستجد نفسها في حرب استنزاف على جبهتين – ضد داعش وطالبان – وهو سيناريو لا تحسد عليه.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من دولي

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →