في تطور علمي جديد، كشف ميخائيل غيراسيموف، رئيس مختبر الدراسات الفيزيائية والكيميائية للكواكب في معهد بحوث الفضاء التابع لأكاديمية العلوم الروسية، أن الجانب البعيد من القمر أكثر سطوعاً من الجانب المرئي للأرض. هذا التصريح يفند الاعتقاد الشائع بأن الجانب البعيد هو "الجانب المظلم"، حيث يعتقد كثيرون أنه لا يتعرض لأي ضوء شمسي.
الواقع العلمي مختلف. فالجانب البعيد من القمر يتلقى نفس كمية ضوء الشمس التي يتلقاها الجانب المرئي، لكنه يظل مختفياً عن أعين سكان الأرض بسبب ظاهرة التزامن المداري، حيث يدور القمر حول محوره بنفس سرعة دورانه حول الأرض. لذلك، فإن مصطلح "الجانب المظلم" مضلل، ويفضل العلماء استخدام "الجانب البعيد".
غيراسيموف أوضح أن الجانب البعيد يحتوي على تضاريس مختلفة، مع وجود فوهات أكثر وعدد أقل من البحار القمرية (السهول البازلتية الداكنة). هذه البحار القمرية، التي تظهر كبقع داكنة على الجانب المرئي، هي نتيجة تدفقات بركانية قديمة، ووجودها بكثرة على الجانب المرئي يجعله أقل سطوعاً نسبياً. على النقيض، الجانب البعيد يمتلك قشرة أكثر سمكاً وغنية بالمعادن الفاتحة اللون، مما يجعله أكثر انعكاساً للضوء.
هذا الاكتشاف له آثار مهمة على فهمنا لتاريخ القمر وتطوره. فدراسة الجانب البعيد يمكن أن تقدم رؤى حول العمليات الجيولوجية المبكرة التي شكلت القمر، وكذلك تكوين القشرة القمرية. وقد أرسلت بعثات فضائية مثل مسبار "تشانغ آه-4" الصيني لاستكشاف الجانب البعيد، مما عزز المعرفة بهذه المنطقة.
من المثير للاهتمام أن الجانب البعيد ليس فقط أكثر سطوعاً، بل يتمتع أيضاً بظروف مختلفة للاتصالات، حيث لا يمكن إرسال الإشارات اللاسلكية مباشرة من الأرض إلى الجانب البعيد دون وجود أقمار صناعية مرحّلة. هذا التحدي التقني جعل استكشافه أكثر صعوبة، لكنه لم يمنع العلماء من كشف أسراره.
غيراسيموف أكد أن هذه النتائج تدعم الحاجة إلى مزيد من الدراسات المقارنة بين جانبي القمر، خاصة في ضوء الخطط الطموحة لاستكشاف القمر والعودة إليه ببعثات مأهولة. الفهم الأفضل لسطوع القمر يمكن أن يساعد أيضاً في تحسين عمليات الرصد الفلكي من سطح القمر، حيث أن الجانب البعيد يمثل موقعاً مثالياً للتلسكوبات الراديوية بسبب غياب التداخل اللاسلكي من الأرض.
في الختام، يظل القمر جارنا الكوني الأقرب، ويقدم باستمرار مفاجآت علمية. هذا الكشف الأخير يذكرنا بأن ما نعرفه عن الكون لا يزال محدوداً، وأن كل مهمة استكشافية تحمل معها إمكانية إعادة كتابة المفاهيم الراسخة.
