يجمع الكاتب الأميركي ديف إيغرز بين القلم والريشة في مشهد ثقافي فريد، إذ يبدأ حواره مع الصحافي بجلسة رسم حي داخل مكاتب دار النشر "ماكسويني" في سان فرانسيسكو. يقف أمامهما عارضة تدعى برودنس، ترتدي جوارب سوداء طويلة فقط، بينما يشرح إيغرز كيفية الإمساك بالقلم على مسافة ذراع واستخدام الإبهام لقياس النسب.
هذه الجلسات ليست مجرد هواية عابرة، بل تحولت إلى تقوية أسبوعية منتظمة منذ الجائحة، حيث ينظم إيغرز جلسات رسم حي داخل دار النشر التي أسسها عام 1998. يقول إيغرز: "في ثلاث ساعات من رسم إنسان، تتعلم عنه الكثير، وتنشأ عاطفة كبيرة من محاولة رسمه بدقة".
الرواية الجديدة لإيغرز تدور في عالم الفن، وتأتي في وقت يشهد فيه القطاع الإبداعي تحولات عميقة بفعل الذكاء الاصطناعي التوليدي. الكاتب الذي ترك كلية الفنون الجميلة لكنه ظل يمارس الرسم لعقود، يرى أن هذه الممارسة تنمي التعاطف والتفكير النقدي، وهي صفات يخشى أن تفقدها الأجيال القادمة إذا اعتمدت على الآلة في الإبداع.
في مقابلة امتدت لساعات، تحدث إيغرز عن جداله مع سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي، حول مستقبل الإبداع. يقول إيغرز: "بمجرد أن تجعل الآلة تفكر وتكتب نيابة عنك، فإنك كجنس بشري قد انتهيت". هذه العبارة تلخص رؤيته القاتمة تجاه التطور التكنولوجي غير المنضبط.
إيغرز، الذي اشتهر بروايته "عمل مروع ومؤثر بشكل مذهل" التي تحولت إلى فيلم سينمائي، يرى أن الكتابة اليدوية والرسم هما آخر معاقل الإنسانية في مواجهة الأتمتة. في جلسة الرسم، يشرح إيغرز للصحافي أن كل رسمة فريدة، ولا يمكن لأي آلة أن تنتج تلك "اللمسة البشرية" التي تأتي من المحاولة والخطأ.
يلفت إيغرز الانتباه إلى أن المدارس بدأت تهمش الفنون لصالح العلوم والتكنولوجيا، وهو ما يراه خطأً فادحاً. يقول: "نحن نربي جيلاً من المستهلكين وليس المبدعين". ويدعو إلى العودة إلى أساسيات التعليم الإبداعي، مثل الرسم والكتابة اليدوية، قبل أن تبتلعها الخوارزميات.
المثير في موقف إيغرز أنه لا يعارض التكنولوجيا بحد ذاتها، بل الاستخدام غير النقدي لها. في دار النشر الخاصة به، يستخدم الأدوات الرقمية للنشر والتوزيع، لكنه يصر على أن يكون الإنتاج الفكري والفني بشرياً بالكامل. يقول: "الذكاء الاصطناعي يمكنه تقليد الأسلوب، لكنه لا يستطيع أن يشعر".
جلسات الرسم الحي في "ماكسويني" أصبحت ملتقى للكتّاب والفنانين والصحافيين، حيث يلتقون أسبوعياً لرسم عارضين حقيقيين. يصف إيغرز هذه اللقاءات بأنها "مختبر إنساني" يختبر فيه المشاركون قدرتهم على التركيز والتعاطف. ويضيف: "عندما ترسم شخصاً ما، لا يمكنك أن تكون منفصلاً عنه".
في الرواية الجديدة، يستكشف إيغرز عالم المعارض الفنية والمزادات، ويكشف عن هشاشة القيمة الفنية في عصر الاستنساخ الرقمي. الشخصيات الرئيسية هي فنانون يكافحون للحفاظ على هويتهم الإبداعية في سوق يقدّر الأسماء أكثر من الأعمال.
إيغرز، الذي بدأ مسيرته ككاتب ساخر، يعود في هذا العمل إلى نبرة جادة وتأملية. يقول إن كتابة الرواية استغرقت أربع سنوات، قضاها في البحث عن عالم الفن المعاصر، من استوديوهات بروكلين إلى صالات العرض في لندن.
الكاتب البالغ من العمر 54 عاماً يكتب رواياته على متن قارب راسٍ في خليج سان فرانسيسكو، بعيداً عن ضوضاء التكنولوجيا. يصف هذا المكان بأنه "ملاذ أخير" للتفكير العميق، في زمن يطغى فيه التشتت الرقمي.
في ختام الحوار، يعود إيغرز إلى جلسة الرسم، متأملاً رسمته الأولى لبرودنس. يقول: "هذه ليست مجرد صورة، إنها شهادة على أنني كنت هنا، أنظر، وأحاول الفهم". وفي عالم تتسارع فيه الآلات، تبدو هذه العبارة وكأنها إعلان استقلال إنساني.
