خاص - كوانتم 2.8%.. هذا الرقم الذي أعلنه مكتب الإحصاءات البريطاني لتضخم مايو الماضي، جاء كبلسم بارد على جروح حكومة سوناك المنهكة. تراجع من 3.2% في مارس إلى 2.8% في مايو، كأنه فاصل موسيقي هادئ قبل أن تعلو صفارة الإنذار. لكن لا تنخدعوا، أيها السادة. هذا الثبات أشبه بهدنة قصيرة قبل معركة ضارية. ما يحدث اليوم ليس انتصاراً على التضخم، بل تنفس عميق قبل الغوص في لجّة أسعار الطاقة المرتقبة. لنتأمل الأرقام عن كثب. التراجع جاء بفضل انخفاض أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية بنسبة 0.6% شهرياً، وتراجع أسعار الملابس والأحذية بنسبة 0.4%. لكن هذه الانخفاضات الموسمية لا تخفي الحقيقة المرة: أسعار الخدمات لا تزال جامحة عند 5.7%، وأسعار الطاقة المنزلية تتجه صعوداً حاداً مع حلول الخريف. من يدقق في التفاصيل، يجد أن التضخم الأساسي - الذي يستثني الطاقة والغذاء - لا يزال عند 3.5%، وهو ما يقلق لندن أكثر مما يقلقها الرقم العام. المفارقة أن هذا الثبات يأتي في وقت تتزايد فيه الضغوط على البنك المركزي لخفض الفائدة. التجار يراهنون على خفضها في أغسطس، لكن التضخم الخدمي العنيد قد يدفع المركزي إلى التريث. في اجتماعه الأخير، صوت ثمانية أعضاء من أصل تسعة على تثبيت الفائدة عند 5.25%، وهو أعلى مستوى منذ 16 عاماً. صوت واحد فقط طالب بالخفض. هذا الانقسام يعكس حيرة عميقة: كيف نحمي النمو دون إشعال التضخم من جديد؟ الأكثر إثارة للقلق هو سوق العمل. معدل البطالة ارتفع إلى 4.4% في أبريل، وهو أعلى مستوى منذ أكتوبر 2021. لكن الأجور ما زالت ترتفع بنسبة 5.9% سنوياً، وهو ما يغذي التضخم الخدمي. هنا تكمن المعضلة: البنك المركزي يريد تبريد الاقتصاد، لكن الحكومة تريد تهدئة العمال المضربين عن العمل. أزمة القطارات مثلاً: إضرابات سائقي القطارات كلفت الاقتصاد البريطاني 1.5 مليار جنيه استرليني منذ 2022، وفق تقديرات غير رسمية. هذه الإضرابات ليست مجرد شأن عمالي، بل مؤشر على انهيار العقد الاجتماعي. لكن القنبلة الموقوتة الحقيقية هي أسعار الطاقة. منذ مايو، ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في الأسواق العالمية بنسبة 30% بسبب التوترات في الشرق الأوسط وزيادة الطلب الآسيوي. شركة "أوفجيم"، الجهة المنظمة لسوق الطاقة، حذرت من أن سقف أسعار الطاقة سيرتفع بنسبة 13% في أكتوبر المقبل، ليصل متوسط الفاتورة السنوية للأسر إلى 1,900 جنيه. هذا يعني أن 8 ملايين أسرة بريطانية ستجد نفسها تحت خط الفقر الطاقي، أي أنها ستنفق أكثر من 10% من دخلها على التدفئة والكهرباء. وإذا ما انتقلنا إلى التأثير السياسي، فإن حزب المحافظين بزعامة ريشي سوناك يواجه انتخابات عامة في موعد أقصاه يناير 2025. استطلاعات الرأي تظهر تقدم حزب العمال بفارق 20 نقطة مئوية. التضخم وغلاء المعيشة هما الملفان اللذان سيحسمان المعركة. الحكومة تدرك ذلك، لذا أعلنت عن حزمة دعم جديدة بقيمة 10 مليارات جنيه، لكنها نصف ما صرفته العام الماضي. الموازنة لا تحتمل المزيد. في الخلاصة، ثبات التضخم البريطاني عند 2.8% ليس نهاية القصة، بل بداية فصل جديد. فصل سيكون أكثر سواداً مع دخول الشتاء. البنك المركزي سيظل حائراً بين المطرقة والسندان، والحكومة ستواجه اختباراً صعباً أمام الناخبين. الأرقام لا تكذب، لكنها أيضاً لا تروي كل شيء. خلف كل رقم هناك أسرة تقرر بين التدفئة والطعام، ومصنع يعلق خطوط الإنتاج، وممرضة تبحث عن عمل ثانٍ. هذا هو وجه التضخم الحقيقي.
2.8% تضخم بريطانيا.. ثبات مؤقت قبل عاصفة الطاقة في أكتوبر

استقر التضخم في المملكة المتحدة عند 2.8% في مايو، متحدياً التوقعات بارتفاعه إلى 3%. لكن هذا الثبات مؤقت، إذ يلوح في الأفق ارتفاع مرتقب في أسعار الطاقة بنسبة 13% مع نهاية العام، مما يضع البنك المركزي في مأزق بين كبح التضخم ودعم النمو.
ها هي بريطانيا تقف على حافة الهاوية مرة أخرى. 2.8% تضخم في مايو؟ لا تصدقوا الأرقام السطحية. هذا ثبات مؤقت، كمن يتوقف عن الجري ليلتقط أنفاسه قبل أن يصعد جبلاً أعلى. التضخم البريطاني ليس مجرد مؤشر اقتصادي، بل هو مرآة تعكس انهيار نموذج اقتصادي بأكمله. نموذج الاعتماد على الاستدانة والخدمات الذي بنته مارغريت تاتشر في الثمانينات، والذي لم يعد صالحاً في عالم ما بعد كوفيد وما بعد أوكرانيا.
لنكن صريحين: البنك المركزي البريطاني فشل في قراءة المشهد. رفع الفائدة 14 مرة متتالية لم يخفض التضخم الأساسي كما كان يأمل. لماذا؟ لأن المشكلة ليست في الطلب المفرط، بل في العرض المختنق. أزمة الطاقة، نقص العمالة بعد بريكست، سلاسل التوريد الممزقة. هذه مشاكل هيكلية لا تحلها أسعار الفائدة. رفع الفائدة يقتل النمو ويثقل كاهل المقترضين، لكنه لا يبني محطة كهرباء ولا يجلب سائق شاحنة.
الحقيقة التي يتجاهلها صناع القرار هي أن بريطانيا تعيش أزمة هوية اقتصادية. بعد بريكست، فقدت لندن دورها كمركز مالي لأوروبا. أمستردام وباريس وفرانكفورت تلتهم حصة لندن من تداول الأسهم والمشتقات. في الوقت نفسه، الصناعة التحويلية تتهاوى. إنتاج السيارات في بريطانيا تراجع بنسبة 30% منذ 2016، ولم يعد هناك أي مصنع للصلب يعمل بالكامل. الاقتصاد البريطاني أصبح أشبه بفقاعة خدمات مالية وعقارات، تنتظر من ينفخها.
وماذا عن الحل؟ أولاً، على البنك المركزي أن يعترف بأنه عاجز عن حل المشكلة وحده. يجب تنسيق السياسة النقدية مع سياسة مالية توسعية تستهدف الاستثمار في الطاقة المتجددة والعزل الحراري والبنية التحتية. ثانياً، الحكومة يجب أن تتفاوض مع الاتحاد الأوروبي لتخفيف قيود بريكست على العمالة الماهرة. ثالثاً، والأهم، حان الوقت لكسر احتكار شركات الطاقة الكبرى التي ترفع الأسعار بلا حسيب.
الانتخابات المقبلة ستكون استفتاء على هذا النموذج الفاشل. إذا استمر المحافظون في سياسات التقشف والاعتماد على السوق، فسينتخبهم التاريخ كأكثر حكومة فشلاً منذ الثلاثينات. وإذا فاز العمال، فعليهم أن يثبتوا أنهم مختلفون، ليس فقط في الشعارات بل في السياسات. بريطانيا تحتاج إلى إعادة بناء صناعية، واستثمار في البشر، وكسر الحلقة المفرغة للفقر الطاقي الذي يقتل المواطنين بصمت.
أما تضخم مايو فهو مجرد وميض في عتمة الطريق الطويل. الطريق الذي يبدأ من خزانات الغاز الفارغة في بحر الشمال، وينتهي عند موقد بارد في شقة في مانشستر. بينهما، هناك قصة أمة تبحث عن هوية اقتصادية جديدة. فهل تجدها قبل فوات الأوان؟