سياسة

من واشنطن إلى أديس أبابا: هل يحسم ترامب نزاع سد النهضة قبل مغادرته؟

ستاف كوانتم·فريق التحرير١٧ يونيو ٢٠٢٦ في ١١:٤٢ ص5 دقائق قراءة
من واشنطن إلى أديس أبابا: هل يحسم ترامب نزاع سد النهضة قبل مغادرته؟

في لقاء جمع الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والمصري عبد الفتاح السيسي، برز ملف سد النهضة الإثيوبي كأحد أبرز الملفات الإقليمية المطروحة. اللقاء يأتي في وقت حساس تشهد فيه المفاوضات بين مصر وإثيوبيا والسودان جموداً، وسط تكهنات حول دور أمريكي أكثر فاعلية لحلحلة الأزمة.

في خطوة تحمل دلالات دبلوماسية عميقة، التقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنظيره المصري عبد الفتاح السيسي في البيت الأبيض، حيث تصدرت قضية سد النهضة الإثيوبي أجندة المباحثات. اللقاء الذي جاء بعد أيام من تصريحات أمريكية حادة تجاه إثيوبيا، أثار تساؤلات حول إمكانية تحول واشنطن من وسيط إلى طرف فاعل في أزمة المياه الأكثر تعقيداً في حوض النيل. تندرج هذه المباحثات ضمن سياق إقليمي ودولي مضطرب، حيث تواجه مصر تحديات وجودية تتعلق بحصتها التاريخية في مياه النيل، بينما تتمسك إثيوبيا بحقها في التنمية عبر ملء وتشغيل سد النهضة. وتتصاعد المخاوف المصرية من أن تؤدي المرحلة الثالثة من ملء السد إلى تقليص حصة مصر المائية بشكل كبير، مما يهدد الأمن المائي والغذائي لشعب يزيد عدده عن مئة مليون نسمة. اللقاء لم يقتصر على سد النهضة، بل تطرق إلى ملفات إقليمية أخرى مثل ليبيا وسوريا ومكافحة الإرهاب، غير أن ملف المياه ظل محورياً نظراً لحساسيته وتداعياته المحتملة على الاستقرار الإقليمي. وتشير المصادر إلى أن ترامب أكد للسيسي متابعة الإدارة الأمريكية للملف عن كثب، معرباً عن تفهمه للقلق المصري. من الجدير بالذكر أن واشنطن كانت قد سحبت دعوتها لإثيوبيا لحضور قمة حول سد النهضة في فبراير الماضي، بعد أن أعلنت أديس أبابا أنها ستستأنف الملء دون اتفاق مع دولتي المصب. هذا الموقف الأمريكي الجديد نسبياً يعكس تحولاً في السياسة الخارجية للبيت الأبيض تجاه القارة الأفريقية، خاصة في ظل تنامي النفوذ الصيني والروسي هناك. وتأتي هذه التطورات في وقت يمر فيه السد بمرحلة حاسمة، حيث تستعد إثيوبيا للمرحلة الرابعة من الملء التي قد تبدأ في يوليو المقبل. وترى مصر أن الوصول إلى اتفاق قانوني ملزم هو السبيل الوحيد لتجنب الصراع، بينما تفضل إثيوبيا التفاهمات السياسية غير الملزمة. اللقاء بين ترامب والسيسي يحمل أيضاً بُعداً انتخابياً، إذ يسعى الرئيس الأمريكي لتعزيز صورته كصانع سلام قبل انتخابات نوفمبر المقبلة. وقد يكون ملف سد النهضة فرصة لإظهار قدرته على حل النزاعات الدولية، خاصة في منطقة تشهد تنافساً دولياً محتدماً. من المتوقع أن تشهد الأيام المقبلة تحركات دبلوماسية مكثفة، قد تشمل زيارة مسؤولين أمريكيين إلى القاهرة وأديس أبابا، أو عقد جولة جديدة من المفاوضات برعاية أممية وأمريكية. غير أن الفجوة بين مواقف الدول الثلاث (مصر وإثيوبيا والسودان) ما زالت واسعة، مما يجعل أي تقدم مرهوناً بإرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف. في المحصلة، يظل سد النهضة اختباراً حقيقياً للدبلوماسية الدولية في أفريقيا، ولقدرة القوى الكبرى على تحقيق التوازن بين حقوق الدول في التنمية وحماية الأمن المائي لدول المصب. وإذا كان اللقاء الأخير بين ترامب والسيسي قد أعاد الأمل في تحرك أمريكي جاد، فإن التحدي الأكبر يبقى في ترجمة هذا التحرك إلى اتفاق يحفظ حقوق الجميع ويمنع انزلاق المنطقة إلى أزمة مائية لا تُحمد عقباها.

رأي ستاف كوانتم

تحليل: سد النهضة بين الماضي والحاضر - هل تتكرر سيناريوهات التاريخ؟

منذ اللحظة التي أعلنت فيها إثيوبيا بناء سد النهضة في 2011، والمنطقة تعيش حالة من التوتر المائي غير المسبوق. لكن ما يجري اليوم ليس مجرد نزاع على مياه، بل هو صراع على الهوية والوجود في حوض النيل. وبالعودة إلى التاريخ، نجد أن قضايا المياه في الشرق الأوسط وأفريقيا غالباً ما تحسمها الموازين السياسية والعسكرية وليس القوانين الدولية.

في خمسينيات القرن الماضي، عندما قررت مصر بناء السد العالي، واجهت معارضة شديدة من بريطانيا والولايات المتحدة، لكنها تمكنت من المضي قدماً بتحالفاتها مع الاتحاد السوفيتي. واليوم، تستخدم إثيوبيا نفس الاستراتيجية، مستغلة التنافس الدولي بين القوى الكبرى لتحقيق أهدافها. الفارق أن مصر الآن لم تعد تملك نفس الأدوات التي كانت تملكها في عهد عبد الناصر، سواء من حيث القوة الإقليمية أو التحالفات الدولية.

أما على الصعيد الاقتصادي، فسد النهضة يهدد بتقويض الاقتصاد المصري الذي يعتمد على الزراعة المروية بنسبة 85% من مياه النيل. وتشير التقديرات إلى أن مصر قد تخسر ما بين 20% إلى 30% من حصتها المائية خلال مراحل الملء، مما يعني انخفاض الإنتاج الزراعي وزيادة البطالة وارتفاع أسعار الغذاء. وفي الوقت نفسه، تستثمر إثيوبيا في السد كأداة تنموية لتوليد الكهرباء وتحسين اقتصادها.

التحليل الإقليمي يكشف أن الصراع على النيل يتجاوز حدود الدول الثلاث. فالسودان يجد نفسه بين نارين: دعمه لمصر يهدد علاقاته مع إثيوبيا، بينما التخلي عن مصر يضعه في مواجهة الرأي العام السوداني الذي يخشى تأثير السد على منشآته المائية. كما أن دول الخليج تراقب الموقف عن كثب، لأن استقرار مصر هو خط أحمر في استراتيجيتها الأمنية.

التوقعات المستقبلية تشير إلى أن الأزمة قد تتفاقم قبل أن تتحسن. مع اقتراب المرحلة الرابعة من الملء، قد تلجأ مصر إلى خيارات تصعيدية مثل تحريك الملف في مجلس الأمن أو دعم الجماعات المسلحة في إقليم النيل الأزرق الإثيوبي. غير أن مثل هذه الخطوات قد تأتي بنتائج عكسية وتؤدي إلى مواجهة مفتوحة.

ما يحتاجه الموقف الآن هو إطار دولي ملزم يضمن حقوق جميع الأطراف، لكن هذا الإطار لن يأتي دون ضغط دولي حقيقي. الإدارة الأمريكية الحالية تبدو أكثر استعداداً للانخراط، لكن السؤال هو هل ستستمر هذه السياسة بعد الانتخابات؟ التجارب السابقة مع الاتفاقيات المائية في الشرق الأوسط، مثل اتفاقية توزيع مياه دجلة والفرات بين تركيا وسوريا والعراق، لم تكن مشجعة، حيث بقيت حبراً على ورق.

في النهاية، سد النهضة ليس مجرد قضية فنية أو قانونية، بل هو انعكاس للتغيرات الجيوسياسية في أفريقيا والعالم. وما لم تكن هناك رؤية شاملة تدمج الأمن المائي مع التنمية الإقليمية والتعاون الاقتصادي، فإن المنطقة ستظل ترزح تحت تهديد الصراعات المائية التي قد تتحول إلى حروب حقيقية.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من سياسة

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →