في عالم السينما المستقلة، غالباً ما تولد الأفكار العظيمة من لحظات الصدفة والتواصل الإنساني العميق. هذا ما حدث مع المخرج البريطاني بن ريفرز، الذي تلقى عام 2017 رسالة مفاجئة من أحد أعظم كتاب الأدب المعاصر، دون ديليلو، لتكون شرارة انطلاق أحدث أعماله السينمائية. ريفيرز، البالغ من العمر 53 عاماً والمعروف بأفلامه التجريبية والفنية، كان دائماً معجباً بأعمال ديليلو الذي يعد أيقونة أدبية بفضل نثره الدقيق ورواياته المعقدة التي تتناول المؤامرات والإرهاب والطاقة النووية والرأسمالية المفرطة. لكن المفاجأة كانت حين وصلته رسالة مطبوعة بالآلة الكاتبة من ديليلو نفسه، يثني فيها على فيلم ريفرز "السماء ترتعد والأرض تخاف والعينان ليستا شقيقتين" الذي صدر عام 2015. يقول ريفرز: "لقد كتب لي أنه وجد الفيلم قوياً جداً وكان يتطلع إلى مشاهدته مرة أخرى. كانت رسالة جميلة ومعنياً جداً بالنسبة لي، خاصة أنني معجب كبير به". لم تتوقف المراسلات عند هذا الحد، بل أرسل ريفرز لديليلو فيلماً آخر هو "كرابي، 2562" الذي شارك في إخراجه مع أنوشا سوفيتشاكورنبونغ، ليرد عليه ديليلو مرة أخرى معبراً عن إعجابه. هذا التواصل المستمر دفع ريفرز إلى التفكير في مشروع جديد يجمع بينهما، فقرر تحويل مسرحية ديليلو القصيرة "الطفل" التي تتكون من فصل واحد إلى فيلم سينمائي يتخيل عالماً خالياً من البالغين بعد كارثة غامضة، حيث تروي فتيات صغيرات نثر ديليلو الفلسفي بطريقة تشبه التلقين المدرسي القاسي. الفيلم الجديد، الذي لم يُحدد اسمه بعد، يعد تجربة فريدة تجمع بين رؤية ريفرز السينمائية السريالية ونصوص ديليلو العميقة. وقد أكد ريفرز أن ديليلو منحه مباركته للمشروع، مما منحه الثقة لاستكمال العمل الذي يصفه بأنه "تتويج لصداقة غير متوقعة مع عملاق أدبي". يشار إلى أن ريفرز معروف بأفلامه التي تمزج بين الوثائقي والخيال، وغالباً ما تستكشف موضوعات العزلة والطبيعة والوجود الإنساني. فيلمه السابق "السماء ترتعد" صور في المغرب وقدم قصة شبه مجردة عن رجل يحاول البقاء في صحراء قاحلة. أما ديليلو، البالغ من العمر 89 عاماً، فما زال يمارس تأثيره الهائل على الأدب العالمي، حيث تعتبر رواياته مثل "الضربة" و"الرجل الأخير" و"الكلاب البيضاء" من كلاسيكيات الأدب المعاصر. تحليلاته للرأسمالية والإرهاب جعلته نبي العصر الحديث، وفقاً للعديد من النقاد. من المتوقع أن يعرض الفيلم الجديد في المهرجانات السينمائية الكبرى خلال العام المقبل، حيث ينتظره عشاق السينما المستقلة والأدب على حد سواء.
من رسالة مفاجئة إلى تحفة سينمائية: كيف تحول إعجاب مخرج بريطاني بأحد عمالقة الأدب إلى فيلم ما بعد نهاية العالم

تلقى المخرج بن ريفرز رسالة غير متوقعة من الروائي الشهير دون ديليلو عام 2017، مما ألهمه لتحويل مسرحية المؤلف المكونة من فصل واحد إلى فيلم سينمائي تدور أحداثه في عالم ما بعد الكارثة بلا بالغين. الفيلم الجديد يضم فتيات صغيرات يلقين نثر ديليلو الفلسفي، ويجسد قمة شراكة إبداعية غير متوقعة بين اثنين من المبدعين.
هذه القصة ليست مجرد خبر عن فيلم جديد، بل هي نافذة على تيار خفي في الثقافة المعاصرة: التقاطع المتزايد بين السينما التجريبية والأدب الرفيع. بن ريفرز، المخرج المستقل الذي يتحرك على هامش هوليوود، يمثل جيلاً جديداً من صناع الأفلام الذين يبحثون عن منابع إبداعية في نصوص أدبية معقدة بدلاً من الاعتماد على سلاسل الكوميكس أو إعادة إنتاج كلاسيكيات السينما.
على المستوى المحلي في بريطانيا، يعكس هذا التعاون حالة من التمرد على الصناعة السينمائية التقليدية التي تهيمن عليها قصص سهلة الهضم. ريفرز اختار طريقاً صعباً: فيلم يتحدث بلغة أدبية فلسفية، تؤديه فتيات صغيرات، في عالم ما بعد الكارثة. هذا الخيار الجريء يذكرنا بأن السينما البريطانية المستقلة لا تزال قادرة على إنتاج أعمال تتحدى التصنيفات المعتادة.
إقليمياً، يمكن النظر إلى هذا المشروع كجزء من موجة أوسع في السينما الأوروبية التي تعيد اكتشاف النصوص الأدبية غير التقليدية. من فرنسا إلى ألمانيا، هناك حراك لترجمة أعمال أدبية صعبة إلى لغة سينمائية، لكن ريفرز يذهب خطوة أبعد بجعله الأطفال أدوات لنقل نثر ديليلو الثقيل. هذا يمثل تحدياً للمشاهد العادي، لكنه في نفس الوقت يفتح آفاقاً جديدة للتعبير الفني.
عالمياً، تطرح هذه القصة تساؤلات حول مستقبل السينما في عصر الهيمنة الرقمية. بينما تتنافس نتفلكس وديزني على جذب الجماهير بمحتوى سريع الاستهلاك، يختار ريفرز أن يصنع فيلماً يتطلب صبراً وتأملاً. هذا النوع من الأفلام قد لا يحقق إيرادات ضخمة، لكنه يضمن استمرار التنوع الفني في المشهد السينمائي العالمي.
التوقعات المستقبلية: من المرجح أن يحظى الفيلم باهتمام نقدي كبير في مهرجانات مثل كان أو برلين أو فينيسيا، خاصة مع اسم ديليلو المرتبط به. لكن نجاحه الجماهيري سيكون محدوداً، مما يعيد إحياء الجدل حول دور السينما كفن نخبوي مقابل كونها وسيلة ترفيه جماهيري.
في النهاية، هذه القصة تذكرنا بأن الإبداع الحقيقي لا يحتاج إلى ضمانات تجارية، بل إلى شغف صادق ورؤية فنية واضحة. بن ريفرز ودون ديليلو يكتبان معاً فصلاً جديداً في تاريخ التعاون بين الأدب والسينما، فصلاً قد لا يقرؤه الكثيرون، لكنه سيبقى محفوراً في ذاكرة الفن المعاصر.