في مبنى أنيق بمدينة ووكينغ، حيث انتقلت المدرسة عام 2022، يلفت الزائر أول ما يلفته الهدوء غير المعتاد. ليس هناك طلاب يرقصون على الطاولات أو يمثلون مشاهد في الممرات، كما كان يحدث في الماضي. بعضهم في بروفات خارج الموقع، لكن الذين يلتقيهم المرء في الأروقة منهمكون في هواتفهم، مثل أي شاب في عمرهم. هذا الهدوء ليس مجرد صدفة، بل يعكس تحولاً عميقاً في فلسفة هذه المؤسسة العريقة. تأسست مدرسة إيطاليا كونتي في لندن عام 1911 على يد الممثلة الإيطالية إيطاليا كونتي، لتعليم مجموعة من الأطفال المشاركين في مسرحية "حيث ينتهي قوس قزح" في مسرح سافوي. وكان من بين هؤلاء الأطفال نجم المستقبل نويل كوارد. بحلول الثلاثينيات، كانت المدرسة تعلن عن دروس في الإلقاء والتمثيل والغناء والمبارزة والرقص بأنواعه. لكن اليوم، وبعد 115 عاماً، تغير كل شيء. يقول مدير المدرسة، الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، إن النهج القديم كان قائماً على "الكثير من الشتائم وإخبارك بأنك سيء". أما اليوم، فقد أصبح التركيز على الصحة النفسية والرفاهية. المدرسة لم تعد مجرد مكان لصقل المواهب، بل أصبحت ملاذاً آمناً للطلاب الذين يعانون من ضغوط الحياة. في إحدى الزوايا، تم إنشاء بنك طعام لتوفير الغذاء للطلاب المحتاجين، وهي خطوة غير مسبوقة في تاريخ المدرسة. التغيير لم يقتصر على الجانب النفسي، بل شمل المناهج أيضاً. فبدلاً من التركيز على التقنيات التقليدية، أصبحت المدرسة تقدم برامج مبتكرة تجمع بين الفنون المسرحية والتكنولوجيا الحديثة. الطلاب اليوم يتعلمون كيفية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتسويق لأنفسهم، وكيفية التعامل مع الإضاءة والصوت الرقمي. لكن الجوهر يبقى واحداً: إخراج أفضل ما في الطالب. في أحد الفصول، تجري بروفة لمشهد من مسرحية كلاسيكية. المخرجة الشابة تطلب من الطلاب تكرار المشهد عدة مرات، لكن بأسلوب مختلف عن الماضي. لا صراخ، لا إهانات، بل توجيهات هادئة وتشجيع مستمر. "نريد أن يشعر الطلاب بالأمان لارتكاب الأخطاء"، تقول المخرجة. هذا النهج الجديد أثمر نتائج مذهلة: الطلاب أصبحوا أكثر إبداعاً وثقة. المدرسة لا تزال تحتفظ بسمعتها كمنصة انطلاق للنجوم. من مارتين ماكوتشون إلى نجوم ويست إند، خريجو إيطاليا كونتي يلمعون في كل مكان. لكن اليوم، النجاح لا يُقاس فقط بالشهرة، بل بالسعادة والرضا. يقول أحد الطلاب: "في الماضي، كان الأمر أشبه بمعسكر تدريب عسكري. اليوم، أشعر أنني أتعلم وأستمتع في نفس الوقت". التحديات المالية لم تمنع المدرسة من التطور. فمع ارتفاع تكاليف المعيشة، أصبح بنك الطعام جزءاً أساسياً من دعم الطلاب. المدرسة تتعاون مع منظمات محلية لتوفير الطعام والملابس. هذا الجانب الإنساني جذب انتباه العديد من أولياء الأمور الذين يرون في المدرسة أكثر من مجرد مؤسسة تعليمية. في الذكرى 115 لتأسيسها، تقف إيطاليا كونتي نموذجاً للتكيف مع العصر. لقد أثبتت أن التقاليد يمكن أن تتجدد دون أن تفقد جوهرها. المدرسة التي بدأت كفكرة صغيرة أصبحت اليوم رمزاً للتميز في الفنون المسرحية، لكن الأهم أنها أصبحت رمزاً للرعاية والإنسانية.
من الصرامة إلى الدعم: مدرسة إيطاليا كونتي العريقة تتحول إلى ملاذ للفن والرفاهية

بعد 115 عاماً من تخريج نجوم الفن، تشهد مدرسة إيطاليا كونتي المسرحية تحولاً جذرياً في أساليبها التعليمية، متخلية عن الصرامة القديمة لصالح نهج أكثر لطفاً واهتماماً بالصحة النفسية للطلاب، مع إنشاء بنك طعام لمواجهة الأزمة المعيشية.
تحريرياً، يمثل تحول مدرسة إيطاليا كونتي نموذجاً مصغراً لتحول أوسع في قطاع التعليم الفني عالمياً. فمنذ تأسيسها قبل أكثر من قرن، كانت المدرسة جزءاً من نظام صارم يركز على الانضباط والتنافس، لكن اليوم، مع تزايد الوعي بالصحة النفسية، أصبحت المؤسسات التعليمية تتبنى نهجاً أكثر شمولية.
على المستوى المحلي، يعكس هذا التحول تغيراً في المجتمع البريطاني نفسه. فبعد عقود من التركيز على الإنجاز الفردي، بدأت المدارس والجامعات تدرك أهمية الدعم النفسي. بنك الطعام في المدرسة ليس مجرد خدمة، بل هو اعتراف بأن الطلاب قد يواجهون صعوبات مالية تؤثر على أدائهم. هذا النهج يتماشى مع سياسات حكومية أوسع تهدف إلى تخفيف حدة الفقر بين الشباب.
إقليمياً، يمكن مقارنة هذا النموذج بمدارس الفنون في أوروبا والعالم العربي. ففي الشرق الأوسط، على سبيل المثال، بدأت بعض المعاهد الفنية في تبني برامج دعم نفسي، لكنها لا تزال في مراحلها الأولى. التجربة البريطانية قد تكون مصدر إلهام لهذه المؤسسات، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه المنطقة.
عالمياً، يعكس هذا التحول تحولاً في مفهوم النجاح نفسه. فبدلاً من قياس النجاح بالشهرة والثروة فقط، أصبحت الرفاهية الشخصية معياراً مهماً. هذا يتوافق مع توجهات عالمية نحو "الاقتصاد الإنساني" الذي يضع الإنسان في المركز. ولكن، يبقى السؤال: هل يمكن لهذا النهج الجديد أن ينتج نجوماً بنفس التألق الذي أنتجه النظام القديم؟
التوقعات المستقبلية تشير إلى أن هذا النموذج سينتشر، لكن مع تعديلات. فالتوازن بين الصرامة والدعم هو المفتاح. من المرجح أن نشهد مزيداً من المؤسسات التعليمية التي تدمج بين الجانبين، خاصة مع الضغوط المتزايدة على الشباب في عصر وسائل التواصل الاجتماعي. إيطاليا كونتي قد تكون رائدة في هذا المجال، لكنها لن تكون الوحيدة.
من الناحية الاقتصادية، الاستثمار في الصحة النفسية للطلاب قد يكون مكلفاً على المدى القصير، لكنه يوفر عوائد على المدى الطويل من خلال تخريج فنانين أكثر استقراراً وإنتاجية. وهذا ينطبق على جميع القطاعات، وليس فقط الفنون.