سياسة

لندن تشدد الخناق: عقوبات جديدة تستهدف البنية المالية والهيكل القضائي لروسيا

ستاف كوانتم·فريق التحرير١٦ يونيو ٢٠٢٦ في ١٠:٤٩ ص4 دقائق قراءة
لندن تشدد الخناق: عقوبات جديدة تستهدف البنية المالية والهيكل القضائي لروسيا

أعلنت بريطانيا عن حزمة عقوبات جديدة تشمل 70 كياناً وفرداً، بينها بنكا ياندكس ووايلدبيريز و27 محكمة روسية، في خطوة تهدف إلى تقييد قدرة موسكو على تمويل حربها وتقويض أسس النظام القانوني الروسي.

في تطور لافت يعكس تصاعد الضغوط الغربية على موسكو، كشفت الحكومة البريطانية عن توسيع كبير لقائمتها السوداء للعقوبات المفروضة على روسيا، لتشمل 70 اسماً جديداً من الكيانات والأفراد، من بينها بنكا "وايلدبيريز" و"ياندكس"، وهما من أبرز المؤسسات المالية في قطاعي التجارة الإلكترونية والتكنولوجيا، بالإضافة إلى 11 فرداً و27 محكمة روسية. هذه الخطوة، التي تأتي بعد أشهر من التنسيق المكثف مع حلفاء لندن في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، تهدف إلى تجفيف منابع تمويل الحرب الروسية في أوكرانيا، وضرب البنية التحتية للنظام القضائي الذي بات أداة في يد الكرملين. القرار البريطاني لم يقتصر على القطاع المالي بل امتد ليشمل مؤسسات قضائية، وهو ما يشير إلى تحول استراتيجي في نهج العقوبات من التركيز على الأفراد والشركات إلى استهداف الهياكل المؤسسية التي تدعم استقرار النظام الروسي. فاستهداف 27 محكمة روسية، معظمها محاكم تحكيم ومحاكم عامة، يهدف إلى تعطيل قدرة موسكو على ملاحقة المعارضين والمنشقين قضائياً، وتقييد دور القضاء في إنفاذ القوانين التي تستخدمها الحكومة لقمع الاحتجاجات أو مصادرة ممتلكات الشركات الغربية. أما إدراج بنك "وايلدبيريز"، الذي يعمل كمنصة للتجارة الإلكترونية ويقدم خدمات مالية، وبنك "ياندكس"، الذراع المالي لشركة التكنولوجيا العملاقة، فيرسل رسالة واضحة بأن لندن لم تعد تكتفي بمطاردة البنوك الكبرى مثل سبيربنك وفي تي بي، بل تتجه نحو تجفيف مصادر التمويل الأصغر حجماً التي تلعب دوراً محورياً في الاقتصاد الروسي اليومي. هذا التوسع يضع الشركات الروسية في موقف حرج، خاصة تلك التي تعتمد على الأسواق الغربية أو تستخدم أنظمة الدفع الدولية. البيان الرسمي الصادر عن الحكومة البريطانية شدد على أن هذه العقوبات تأتي في إطار "الضغط المستمر على روسيا لدفع ثمن عدوانها"، وأنها تستهدف "أولئك الذين يمولون الحرب أو يستفيدون منها أو يدعمونها". لكن الواقع أن تأثير هذه العقوبات قد يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث أن استهداف القضاء والمؤسسات المالية الصغيرة قد يخلق حالة من عدم الاستقرار داخل روسيا، ويزيد من عزلة موسكو الدولية. من ناحية أخرى، تثير هذه الخطوة تساؤلات حول مدى فعالية العقوبات الغربية في تغيير سلوك روسيا، خاصة بعد أن أثبتت موسكو قدرتها على التكيف وإيجاد بدائل في الصين والهند ودول الشرق الأوسط. لكن التدرج في التضييق، واستهداف قطاعات جديدة مثل القضاء، قد يرفع تكلفة الحرب على الاقتصاد الروسي بمرور الوقت. يذكر أن بريطانيا كانت من أوائل الدول الغربية التي فرضت عقوبات على روسيا بعد ضم شبه جزيرة القرم عام 2014، ثم وسعتها بشكل كبير بعد الغزو الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022. وقد تجاوز عدد الكيانات والأفراد الخاضعين للعقوبات البريطانية الآن 2000 اسم. في الأثناء، تواصل الحكومة الروسية التهديد باتخاذ إجراءات انتقامية، محذرة من أن هذه العقوبات "غير قانونية" وستؤدي إلى "عواقب وخيمة" على العلاقات الثنائية. لكن المراقبين يرون أن موسكو أصبحت أقل تأثراً بالضغوط الغربية، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة وتوفر بدائل تجارية.

رأي ستاف كوانتم

قرار بريطانيا الأخير بتوسيع قائمة العقوبات ليشمل 27 محكمة روسية وبنكين رئيسيين هو خطوة جريئة ومتأخرة في آن معاً. جريئة لأنها تخترق لأول مرة حرمة النظام القضائي الروسي، الذي طالما اعتبرته موسكو خطاً أحمر، ومتأخرة لأنها كانت ينبغي أن تأتي قبل عامين على الأقل. لكن الأهم من توقيتها هو دلالاتها الاستراتيجية.

من الناحية التاريخية، شكلت العقوبات الغربية منذ عام 2014 أداة ضغط متزايدة، لكنها ركزت بشكل أساسي على النخبة السياسية والمالية. أما الآن، فاستهداف القضاء يوجه رسالة واضحة: لا يمكن لروسيا أن تستمر في لعبة مزدوجة، حيث تفرض عقوبات على المعارضين وتصادر ممتلكات الشركات الغربية تحت ستار القوانين المحلية، بينما تزعم أنها دولة قانون. بتجفيف قدرة القضاء الروسي على العمل، تحاول لندن شلّ واحدة من أهم أدوات الكرملين في قمع المعارضة والحفاظ على النظام الداخلي.

اقتصادياً، إدراج بنكي "وايلدبيريز" و"ياندكس" ليس مجرد عقوبة مالية، بل هو استهداف لعصب الاقتصاد الرقمي الروسي. هذان البنكان ليسا مجرد مؤسستين عاديتين، بل هما جزء من البنية التحتية للتجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية التي يعتمد عليها ملايين الروس. بتجميد أصولهما في بريطانيا ومنع التعامل معهما، تضرب لندن قطاعاً حيوياً كان يعتقد أنه بمنأى عن العقوبات. هذا قد يشجع شركات التكنولوجيا الروسية الأخرى على الضغط على الكرملين لتعديل سياساته، أو على الأقل قد يدفعها إلى نقل عملياتها خارج روسيا.

على الصعيد الإقليمي، تعزز هذه العقوبات موقف أوكرانيا وتظهر للعالم أن الغرب لا يزال متماسكاً في دعمه لكييف، رغم الانتقادات الداخلية في بعض العواصم الأوروبية. كما أنها ترسل إشارة إلى الصين وإيران بأن التعاون مع روسيا في المجال المالي أو القضائي قد يكلفهما ثمناً باهظاً.

لكن السؤال الأكبر: هل ستنجح هذه العقوبات في تغيير مسار الحرب؟ التوقعات تشير إلى أن التأثير سيكون تدريجياً. فروسيا تعلمت دروس التكيف، ولديها احتياطيات ضخمة من النقد الأجنبي، كما أنها وجدت طرقاً للالتفاف على العقوبات عبر العملات الرقمية والوسطاء في آسيا. لكن مع مرور الوقت، واستمرار التضييق، قد تتعرض المؤسسات الروسية لضغوط لا تطاق.

في المحصلة، يمثل القرار البريطاني تطوراً مهماً في فلسفة العقوبات، حيث ينتقل من النهج الانتقائي إلى النهج الشامل الذي يستهدف النظام بأكمله. لكن نجاحه يعتمد على استمرار التنسيق الغربي، وقدرة الدول الأخرى على ملاحقة المخالفين. وإلا فإن هذه العقوبات قد تتحول إلى مجرد أداة رمزية أخرى في صندوق أدوات السياسة الخارجية.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من سياسة

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →