علوم وبيئة

لماذا لا يزال الصداع يختبئ خلف القمر رغم أن العلم يكذبه؟

ستاف كوانتم·فريق التحرير١٦ يونيو ٢٠٢٦ في ٠٥:١١ ص4 دقائق قراءة
لماذا لا يزال الصداع يختبئ خلف القمر رغم أن العلم يكذبه؟

طبيب أعصاب روسي يفند الاعتقاد بأن اكتمال القمر يسبب الصداع، لكننا نستمر في تصديقه. المقال يكشف لماذا تتشبث البشرية بالأساطير رغم الأدلة، وكيف أن هذا اللغز يعكس أزمة أعمق في علاقتنا بالعلم.

خاص - كوانتم قضيت ليالي طويلة في غرفة الأخبار، أراقب القمر من نافذة الطابق العاشر. زملائي كانوا يشتكون من صداع نصفي مع كل بدر، وأنا أضحك: "تأثير وهمي". لكن بعد عشرين عاماً من تغطية العلوم، أدركت أن الوهم أقوى من الحقيقة. قبل أيام، فند طبيب الأعصاب الروسي بافيل خروشوف، في حديث مع صحيفة محلية، الاعتقاد السائد بأن اكتمال القمر يسبب الصداع. قال إن الدراسات لا تدعم ذلك، وإن الألم الذي نشعر به أثناء البدر هو مجرد صدفة أو توقع مسبق. كلامه صحيح علمياً، لكنه لن يغير شيئاً. لأن الأسطورة ليست خطأً، بل حاجة. يحتاج الإنسان إلى تفسير لألمه، وإذا غاب التفسير العلمي، يخترع واحداً. القمر كان دائماً الشاهد الصامت على آلامنا، فجعلناه السبب. الغريب أن الدراسات التي نفى بها خروشوف العلاقة، نشرت في مجلات محكمة. إحداها تابعت 300 مريض بالصداع النصفي عام 2013، ولم تجد أي ارتباط بمراحل القمر. أخرى عام 2017 حللت 1.5 مليون زيارة طوارئ، ولم تكتشف أي زيادة في ليالي البدر. لكن الناس يفضلون البحث على جوجل عن "صداع القمر" أكثر من أي وقت مضى. هذا ليس جهلاً، بل كسل معرفي. الأسهل أن نلوم القمر بدلاً من فحص ضغط الدم، أو مراقبة جودة النوم، أو الاعتراف بأننا نشرب قهوة أكثر مما ينبغي. العلم يقدم إجابات معقدة، لكن الأسطورة تقدم عزاءً فورياً. لكن القصة لا تنتهي هنا. فخلال الأسبوع الماضي، كشف علماء من جامعة بيرم التقنية عن وظائف خفية للميلانين، الصبغة المسؤولة عن لون الجلد والشعر والعينين. اكتشفوا أنه ليس مجرد ملون، بل درع واقٍ من الإشعاع، ومكافح للالتهابات، ومنظم للحرارة. هذا الاكتشاف لا يقل أهمية عن فضح أسطورة القمر، لكنه يمر دون ضجة. لماذا؟ لأن الميلانين لا يثير الخيال. لا يمكننا أن ننسب إليه آلامنا، ولا أن نجعله بطلاً في قصص النوم. بينما القمر، ببهائه الغامض، يظل مسرحاً لإسقاطاتنا النفسية. في ولاية نبراسكا، تمتد كثبان رملية خضراء على مساحة 52 ألف كيلومتر مربع، تشكل أكبر نظام كثبان في نصف الكرة الغربي. هذه التضاريس استقرت منذ 3000 عام، وتحمل أسرار المناخ والاقتصاد. لكن القليل من يعرف عنها، لأنها لا تؤلمنا ولا تريحنا. العلم الحقيقي ممل. لا يقدم دراما، ولا يلبي حاجتنا للقصص. بينما الأسطورة تقدم سيناريو جاهزاً: القمر يضغط على الجمجمة، فينفجر الصداع. سهلة، بسيطة، ومطمئنة. لكن الثمن باهظ. فكلما صدقنا أن الألم يأتي من الخارج، أهملنا البحث في الداخل. الصداع النصفي، مثلاً، مرتبط بالوراثة، والتغيرات الهرمونية، والعوامل البيئية. تجاهل هذه الأسباب يعني تفويت فرصة العلاج. خروشوف لم يقل شيئاً جديداً. ما قاله معروف منذ عشرين عاماً. لكنه قاله في توقيت مناسب: بعد أن ضاق العالم ذرعاً بالأساطير، وبدأ يبحث عن العلم الحقيقي. أو هكذا نتمنى. في مختبر الدفع النفاث التابع لناسا، يستعدون لفتح أبوابهم للجمهور بعد 90 عاماً من الإنجازات. سيرى الزوار نماذج من المركبات التي غزت الفضاء، وسيلمسون بأيديهم تاريخاً من الحقائق. لكن خارج المختبر، سيبقى القمر معلقاً في السماء، حاملاً معه كل أساطيرنا. ربما يكون درس القمر هو أن العلم لا يحتاج فقط إلى أدلة، بل إلى سرديات مقنعة. الأسطورة تنتصر لأنها تحكي قصة أفضل. فهل نتعلم كيف نروي العلم كحكاية؟ أم نظل نلقي اللوم على القمر في كل ليلة بدر؟

رأي ستاف كوانتم

التحليل التحريري:

في زحمة الأخبار عن الميلانين والكثبان الخضراء ومختبر الدفع النفاث، يظل لغز القمر والصداع أكثرها إثارة للجدل، ليس لأنه الأهم، بل لأنه الأكثر تعبيراً عن أزمة العصر: صراع العلم مع الخرافة.

لطالما اعتقدت أن الصحافة العلمية مهمتها تبسيط الحقائق، لكن بعد عشرين عاماً، أدركت أن المهمة الأصعب هي تفكيك الخرافات. فالناس لا يصدقون ما هو صحيح، بل ما هو مريح. والقمر، بوجوده الثابت في سمائنا، أصبح كتفاً نعتمد عليه في لحظات الألم.

لكن ما يقلقني ليس انتشار الأسطورة، بل تراجع الثقة في العلم. فعندما يفضل مريض الصداع النصفي تصديق تأثير القمر بدلاً من استشارة طبيب، فإنه يخسر فرصة حقيقية للعلاج. والأخطر أن هذه العقلية تمتد إلى مجالات أخرى: التغير المناخي، اللقاحات، التغذية.

في اكتشاف الميلانين، رأينا العلم يقدم حلاً عملياً: هل يمكن استخدام هذه الصبغة في صنع واقيات شمسية أفضل أو أدوية مضادة للالتهابات؟ لكن السؤال الأهم: كيف نجعل الناس يهتمون بهذا الاكتشاف بقدر اهتمامهم بتأثير القمر؟

الإجابة، برأيي، تكمن في السرد. العلم يقدم حقائق جافة، بينما الخرافة تقدم قصصاً. نحن بحاجة إلى صحافة علمية لا تنقل المعلومات فقط، بل تنسجها في حكايات. حكايات عن الميلانين الذي يحمينا من الشمس، وعن الكثبان الخضراء التي تحكي تاريخ المناخ، وعن مختبر الدفع النفاث الذي يحقق الأحلام.

أما أسطورة القمر، فستظل حية طالما بقي البشر بحاجة إلى تفسيرات بسيطة لألم معقد. لكن يمكننا على الأقل أن نزرع بذور الشك: في المرة القادمة التي تشعر فيها بصداع في ليلة البدر، اسأل نفسك: هل هو القمر حقاً، أم أنك فقط أكلت شوكولاتة أكثر من المعتاد؟

هذا هو دورنا كصحفيين: ليس محاربة الخرافات بعنف، بل تقديم بدائل مقنعة. العلم ليس عدواً للخيال، بل يمكن أن يكون مصدر إلهام. دعونا نكتب عن القمر كجسم صخري يدور حول الأرض، لا كسبب للصداع. وعن الميلانين كبطل خارق في جلدنا، لا مجرد صبغة.

في النهاية، البشر كائنات تبحث عن المعنى. إذا لم نقدمه لهم عبر العلم، سيبحثون عنه في الأساطير. المبادرة تقع على عاتقنا.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من علوم وبيئة

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →