تحليلات

لعبة الأمم: واشنطن وطهران ترسمان خريطة لبنان الجديدة بين نار إسرائيل ولهيب التبعية

ستاف كوانتم·فريق التحرير١٦ يونيو ٢٠٢٦ في ١٠:٣١ ص4 دقائق قراءة
لعبة الأمم: واشنطن وطهران ترسمان خريطة لبنان الجديدة بين نار إسرائيل ولهيب التبعية

مع إعلان مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران، يجد لبنان نفسه مجدداً على مفترق طرق مصيري. بين تأكيد إيران شمول الهدنة للبنان ورفض إسرائيل العلني، يتساءل المراقبون: من يملك القرار الحقيقي في بيروت؟

على وقع ترقب حذر، يطل الإعلان عن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران وكأنه نافذة أمل في سماء لبنان الملبدة بغيوم الحرب. لكن خلف هذه النافذة، تتراءى تعقيدات إقليمية ودولية تجعل من مصير هذا البلد الصغير لغزاً محيراً، تتقاذفه أطراف متعددة لكل منها أجندتها الخاصة. فمنذ الإعلان عن المذكرة، تباينت ردود الفعل بشكل صارخ. فبينما أكدت طهران وحلفاؤها أن وقف إطلاق النار يشمل جميع الجبهات، بما فيها لبنان، ومع إقرار واشنطن بذلك ضمنياً، خرج وزراء في حكومة بنيامين نتانياهو ليؤكدوا أن إسرائيل غير ملزمة بهذا الاتفاق. هذا التضارب ليس مجرد خلاف دبلوماسي، بل يعكس أزمة هيكلية في كيفية إدارة الصراع في المنطقة. لبنان، الذي اعتاد أن يكون ساحة للصراعات بالوكالة، يجد نفسه اليوم في قلب معادلة جديدة. فالمذكرة الأميركية-الإيرانية، رغم طابعها الثنائي الظاهر، تحمل في طياتها إعادة تموضع للقوى الكبرى تجاه الملف اللبناني. واشنطن، التي طالما راهنت على الضغط العسكري والاقتصادي لإضعاف النفوذ الإيراني، تبدو اليوم وكأنها تختبر نهجاً مختلفاً يقوم على التفاهم المحدود. في المقابل، تسعى طهران إلى تثبيت أقدامها في لبنان كرقم صعب لا يمكن تجاوزه، مستفيدة من ترسانتها العسكرية والسياسية المتمثلة في حلفائها. لكن السؤال الأهم: أين موقع إسرائيل من هذا كله؟ تل أبيب، التي تعتبر لبنان مسرحاً لعملياتها الاستباقية ضد حزب الله، ترفض بوضوح أي ترتيب لا يضمن أمنها وفق شروطها. وهذا الرفض ليس مجرد موقف تكتيكي، بل يعكس استراتيجية أوسع تهدف إلى إبقاء الضغط على لبنان لمنع أي تهديد محتمل من الشمال. وإذا كانت واشنطن قد أعطت ضوءاً أخضر ضمنياً للمذكرة، فإن إسرائيل تسعى إلى تقويضها عبر تصعيد لهجتها وعملياتها. على الأرض، يعيش اللبنانيون حالة من الترقب الممزوج بالقلق. فالحرب الإسرائيلية على غزة ألقت بظلالها القاتمة على الجنوب، حيث تدور اشتباكات متقطعة بين حزب الله والجيش الإسرائيلي. ومع كل غارة أو صاروخ، يتسع جرح الاقتصاد اللبناني المنهك أصلاً، ويزداد النزوح والتشرد. وفي هذا السياق، تبدو مذكرة التفاهم وكأنها مسكن ألم مؤقت، لا حل جذري لأزمات لبنان المزمنة. الخيارات أمام لبنان محدودة. فالدولة اللبنانية، التي تعاني من شلل سياسي واقتصادي حاد، ليست في موقع يسمح لها بفرض رؤيتها على الأطراف المتصارعة. وبين إرادة واشنطن ومصالح طهران وحسابات تل أبيب، يبقى اللبنانيون رهائن لقوى خارجية لا تضع مصلحتهم في أولوياتها. في المحصلة، يبدو أن مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية قد فتحت صفحة جديدة في لعبة الأمم على حساب لبنان. فبينما تتبارى القوى الكبرى في ترتيب أوراقها، يظل السؤال الأهم معلقاً: من سيدفع ثمن هذه التسويات؟ الجواب، للأسف، هو اللبنانيون أنفسهم، الذين ينتظرون مستقبلاً غامضاً في بلد لم يعد يملك قراره.

رأي ستاف كوانتم

في تحليلنا لهذا المشهد المعقد، لا يمكننا إلا أن نعود بالذاكرة إلى اتفاق الطائف عام 1989، الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية لكنه رسخ نظاماً طائفياً هشاً. اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، يبدو لبنان عائداً إلى نقطة الصفر، حيث تتداخل المصالح الخارجية مع الصراعات الداخلية. الفارق الوحيد هو أن الأدوات تغيرت: فبدلاً من الدبابات السورية والقوات الإسرائيلية، نجد اليوم التفاهمات الدولية والضغوط الاقتصادية.

تاريخياً، لطالما كان لبنان ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. من اتفاق القاهرة عام 1969 الذي نظم العمل الفلسطيني، إلى اتفاق 17 أيار 1983 مع إسرائيل، مروراً باتفاق الطائف، كل هذه التسويات كانت تعكس توازنات القوى الإقليمية والدولية أكثر مما تعبر عن إرادة لبنانية حقيقية. والمذكرة الحالية ليست استثناءً.

اقتصادياً، يعيش لبنان واحدة من أسوأ أزماته المالية، حيث انهارت العملة وفقد المودعون مدخراتهم. في هذا السياق، أي اتفاق خارجي يمس الأمن والاستقرار سيكون له انعكاسات مباشرة على الوضع المعيشي. فاستمرار التوتر على الحدود الجنوبية يعني استمرار إغلاق الممرات التجارية وتراجع الاستثمارات، مما يزيد من تعقيد الأزمة. وعلى العكس، أي هدنة قد تفتح الباب أمام مساعدات دولية مشروطة بإصلاحات سياسية واقتصادية، وهو ما قد يكون سلاحاً ذا حدين.

سياسياً، تكشف المذكرة عن تناقضات داخلية في الموقف الإسرائيلي. فبينما تعلن الحكومة رفضها، قد تجد المؤسسة الأمنية والعسكرية أن في الاتفاق فرصة لتخفيف الضغط على جبهة الشمال. وفي المقابل، يسعى حزب الله إلى إظهار نفسه كطرف منتصر قادر على فرض معادلات جديدة، بينما يحاول إخفاء الخسائر البشرية والمادية التي تكبدها.

إقليمياً، قد تمهد هذه المذكرة لترتيبات أوسع تشمل سوريا واليمن. فإيران تسعى إلى تخفيف العزلة الدولية مقابل تنازلات محدودة في ملفات إقليمية. لكن السؤال هو: هل ستكون هذه التنازلات كافية لإرضاء واشنطن وحلفائها؟ أم أن المذكرة مجرد ورقة توت لتغطية تصعيد قادم؟

مستقبلاً، نتوقع أن تشهد الأسابيع القادمة حراكاً دبلوماسياً مكثفاً، مع محاولات أوروبية وعربية للوساطة بين الأطراف. لكن في غياب إرادة سياسية لبنانية حقيقية، سيبقى مصير لبنان معلقاً بإرادات خارجية. وقد نرى سيناريوهين: إما هدنة هشة تتحول إلى تهدئة طويلة الأمد، وإما انفجار جديد إذا شعر أحد الأطراف بأن مصالحه مهددة.

في النهاية، يبقى الدرس الأهم: لبنان يحتاج إلى مشروع وطني جامع يتجاوز المحاور الإقليمية. ولكن، وحتى يتحقق ذلك، سيظل اللبنانيون يدفعون ثمن صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من تحليلات

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →