علوم وبيئة

على مرمى حجر منا: لماذا قد نكون غافلين عن رسائل الكائنات الفضائية؟

ستاف كوانتم·فريق التحرير١٦ يونيو ٢٠٢٦ في ٠٤:٠٢ م5 دقائق قراءة
على مرمى حجر منا: لماذا قد نكون غافلين عن رسائل الكائنات الفضائية؟

دراسة جديدة في معهد سيتي تشير إلى أن إشارات الكائنات الفضائية قد تصل إلى الأرض دون أن نتمكن من اكتشافها، بسبب تشويش نجومها المضيفة لها. التركيز على النجوم القزمة الحمراء الأكثر شيوعاً في مجرة درب التبانة يكشف عوائق جديدة أمام البحث عن حياة ذكية.

لطالما كان السؤال الأكبر الذي يطرحه البشر على أنفسهم: هل نحن وحدنا في هذا الكون الفسيح؟ لعقود، تفرغ علماء الفلك والفيزياء الفضائية للبحث عن أي إشارة تدل على وجود حياة ذكية خارج كوكبنا، مستخدمين أطباقاً لاسلكية عملاقة وأجهزة استقبال حساسة تلتقط كل همسة من الفضاء. لكن مع كل سنة تمر دون العثور على جواب قاطع، بدأ البعض يتساءل: هل المشكلة في عدم وجود إشارات أم في طريقة بحثنا عنها؟ دراسة حديثة نشرها باحثون في معهد سيتي (SETI) تقدم إجابة مدهشة قد تقلب الطاولة على كل ما نعرفه عن البحث عن الكائنات الفضائية. فبدلاً من افتراض أنهم لا يرسلون، تقترح الدراسة أن إشاراتهم قد تصل إلينا بالفعل، لكننا لا نتعرف عليها لأن نجومهم المضيفة تشوشها قبل أن تغادر أنظمتها الشمسية. التفسير العلمي وراء هذه الفرضية يعتمد على ظاهرة فيزيائية معروفة: عندما ترسل حضارة ما إشارة لاسلكية ضيقة النطاق (أي على تردد واحد محدد جداً)، فإنها تكون قوية ومميزة وسهلة الكشف في الظروف المثالية. لكن عندما تمر هذه الإشارة عبر الغلاف الجوي لنجمها المضيف، وخاصة إذا كان هذا النجم نشطاً ومليئاً بالعواصف المغناطيسية والبلازما المضطربة، فإن تلك الإشارة الضيقة تتشتت وتتمدد عبر نطاق أوسع من الترددات. ما كان في الأصل وميضاً ليزرياً واضحاً يصبح ضوضاء خلفية عشوائية يصعب تمييزها عن الإشارات الطبيعية. هذه الظاهرة تشبه ما يحدث عندما تحاول التحدث مع شخص عبر حاجز زجاجي سميك في غرفة مزدحمة بالضوضاء: كلماتك تصل لكنها مشوشة ومتداخلة مع الأصوات الأخرى، مما يجعل فهمها شبه مستحيل. في الفضاء، النجوم هي ذلك الحاجز الزجاجي، والبلازما النجمية هي الضوضاء المزعجة. الأكثر إثارة للاهتمام هو أن هذه المشكلة تطبق بشكل خاص على النجوم من نوع M-dwarf، أو الأقزام الحمراء، وهي أكثر أنواع النجوم شيوعاً في مجرة درب التبانة، حيث تشكل حوالي 75% من جميع النجوم. هذه النجوم أصغر حجماً وأبرد من شمسنا، لكنها غالباً ما تكون أكثر نشاطاً، مع توهجات شمسية قوية وحقول مغناطيسية متقلبة. إذا كانت الحضارات الذكية تميل إلى الظهور حول هذه النجوم (وهو افتراض معقول لأنها الأكثر عدداً والأطول عمراً)، فإن إشاراتها قد تتعرض لتشويش شديد يجعلها غير قابلة للكشف بواسطة تلسكوباتنا الحالية. هذا يعني أننا قد نكون نبحث في المكان الخطأ أو بالطريقة الخطأ. بدلاً من التركيز على إشارات ضيقة النطاق عند ترددات محددة، يجب أن نوسع بحثنا ليشمل نطاقات ترددية أوسع، أو أن نبحث عن أنواع أخرى من الإشارات مثل الليزر أو الموجات الثقالية التي قد لا تتأثر بالبلازما النجمية. كما أن الدراسة تشير إلى أن أفضل وقت لالتقاط إشارة من نجم قزم أحمر قد يكون خلال فترات هدوئه النسبي، بعيداً عن التوهجات، مما يتطلب مراقبة مستمرة وطويلة الأمد. هذه الفرضية لا تقدم إجابة قاطعة عن وجود حياة ذكية خارج الأرض، لكنها تقدم تفسيراً منطقياً لصمت الفضاء الذي حير العلماء لعقود. ربما ليست الحضارات الأخرى صامتة، بل هي تتحدث بلغة لا نستطيع سماعها بعد، أو ربما إشاراتها تصل إلينا مشوشة مثل محاولة سماع همسة في عاصفة رملية. المهم هو أننا الآن نعرف أين نبحث وكيف نغير أدواتنا لالتقاط تلك الهمسة. الخطوة التالية ستكون تطوير تلسكوبات راديوية أكثر حساسية قادرة على تحليل نطاقات ترددية عريضة، وربما بناء شبكة من الأقمار الصناعية المخصصة لرصد النجوم القزمة الحمراء على مدار الساعة. كما أن التعاون الدولي في هذا المجال سيكون ضرورياً، لأن البحث عن حياة ذكية هو مشروع إنساني بامتياز يتجاوز الحدود الوطنية. في النهاية، قد نكون على أعتاب اكتشاف يغير تاريخ البشرية: أننا لسنا وحدنا، وأن الإشارة كانت تصل إلينا طوال الوقت، لكننا كنا ننظر في الاتجاه الخاطئ.

رأي ستاف كوانتم

التحليل التحريري:

منذ أن رفع الإنسان عينيه إلى السماء، وهو يتساءل عن وجود كائنات أخرى تشاركه هذا الكون. لكن البحث العلمي المنظم عن حياة ذكية خارج الأرض لم يبدأ إلا قبل ما يزيد قليلاً عن ستين عاماً، مع مشروع أوزما في عام 1960. ومنذ ذلك الحين، مرت عقود من الصمت المطبق، مما دفع البعض إلى تبني فرضية 'الأرض النادرة' التي تقول إن الحياة الذكية نادرة للغاية، أو فرضية 'المرشح العظيم' التي تقول إن الحضارات تميل إلى تدمير نفسها قبل أن تصل إلى مرحلة الاتصال بين النجوم.

لكن الدراسة الجديدة تقدم منظوراً مختلفاً تماماً: ربما ليس هناك مرشح عظيم، وربما ليست الأرض نادرة، بل ربما نحن فقط عميان. إنها تدعونا إلى التواضع الفكري، وإلى الاعتراف بأن أدواتنا قد لا تكون كافية لرصد الإشارات التي تصل إلينا.

من الناحية التاريخية، يمكن مقارنة هذا الوضع بالاكتشافات الكبرى في الماضي. عندما طور غاليليو تلسكوبه الأول ونظر إلى القمر، رأى جبالاً وفوهات، لكنه لم يستطع رؤية الكائنات التي قد تسكنه. وعندما اخترع ماركوني الراديو، لم يكن يتخيل أنه بعد قرن من الزمان سنستخدمه للاستماع إلى همسات النجوم. كل تقدم في تقنيات الرصد يكشف لنا عوالم جديدة لم نكن نعرف بوجودها.

على الصعيد الاقتصادي، البحث عن حياة ذكية ليس مجرد فضول علمي، بل هو استثمار في مستقبل البشرية. تقنيات الاتصالات البعيدة المدى، وتحليل الإشارات، ومعالجة البيانات الضخمة التي طورتها مشاريع سيتي وجدت تطبيقات في مجالات أخرى مثل الاتصالات الآمنة والذكاء الاصطناعي. كما أن إثبات وجود حياة ذكية خارج الأرض سيكون له تأثير هائل على الفلسفة والدين والسياسة والاقتصاد، وقد يدفع البشرية إلى مزيد من التعاون العالمي.

من الناحية الإقليمية، هذه الدراسة تذكرنا بأن التحديات العلمية الكبرى تتطلب تعاوناً دولياً. الدول العربية، رغم أنها لم تكن في طليعة أبحاث سيتي، يمكنها أن تلعب دوراً متزايداً من خلال بناء مراصد في صحاريها المظلمة، أو من خلال الاستثمار في تعليم الفيزياء الفلكية. فالبحث عن الحياة خارج الأرض ليس حكراً على الغرب.

أما بالنسبة للتوقعات المستقبلية، فمن المتوقع أن تشهد السنوات القادمة تحولاً في استراتيجيات البحث. بدلاً من الاستماع إلى إشارات ضيقة النطاق، سيركز الباحثون على المسح الواسع النطاق للترددات، وعلى تحليل البيانات باستخدام تقنيات التعلم الآلي التي تستطيع تمييز الأنماط الدقيقة. كما أن التلسكوبات الجديدة مثل 'مصفوفة الكيلومتر المربع' (SKA) ستكون قادرة على رصد إشارات أضعف بكثير مما هو ممكن اليوم.

لكن الأهم من كل ذلك هو تغيير العقلية: ربما نكون على وشك اكتشاف أن 'الصمت العظيم' ليس صمتاً، بل هو ضجيج نجمي نحتاج فقط إلى تعلم كيفية فهمه. وإذا صحت هذه الفرضية، فإن السؤال 'أين هم؟' قد يجيب عليه قريباً: هم هنا، لكننا كنا نصم آذاننا.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من علوم وبيئة

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →