في خطوة وصفتها أوساط دبلوماسية بأنها «رهان استراتيجي»، أقر البرلمان الأوروبي بشكل نهائي الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة، منهياً بذلك أشهراً من المفاوضات الشاقة بين ضفتي الأطلسي. الاتفاق، الذي يمس حياة مئات الملايين من المواطنين الأوروبيين والأمريكيين، يُلغي الرسوم الجمركية على أغلب السلع الصناعية والزراعية الأمريكية، مقابل سقف للرسوم الأمريكية لا يتجاوز 15% على السلع الأوروبية، مع بند ينهي مفعول الاتفاق تلقائياً في عام 2029، وإمكانية تعليقه إذا لم يرفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرسوم العقابية على قطاعي الفولاذ والألمنيوم. المصادقة النهائية، التي جاءت بأغلبية مريحة، تعكس إرادة سياسية أوروبية لتهدئة التوتر التجاري مع واشنطن، لكنها في الوقت نفسه تحمل في طياتها شروطاً صارمة تعكس عدم الثقة المتبادلة. النص النهائي للاتفاق يتضمن آلية مراجعة سنوية للأداء، تسمح للبرلمان الأوروبي بطلب تعليق الاتفاق إذا ثبت أن الجانب الأمريكي لا يلتزم برفع الرسوم العقابية. هذه الآلية هي ثمرة ضغوط مارستها كتل يسارية وخضراء في البرلمان، والتي حذرت من أن الاتفاق قد يتحول إلى «أداة ابتزاز» بيد ترامب. اقتصادياً، يتوقع خبراء أن يؤدي الاتفاق إلى زيادة الصادرات الأوروبية من السيارات والآلات والمواد الكيميائية إلى السوق الأمريكية، في حين ستتدفق السلع الزراعية الأمريكية مثل فول الصويا والذرة إلى أوروبا بأسعار تنافسية. غير أن قطاع الزراعة الأوروبي، وخصوصاً في فرنسا وإيطاليا، أبدى تحفظات شديدة، معتبراً أن الاتفاق قد يقوض معايير السلامة الغذائية الأوروبية ويضر بصغار المزارعين. من جهة أخرى، رحب المصنعون الأوروبيون بالاتفاق، معتبرين أنه يفتح آفاقاً جديدة للاستثمار وخلق فرص العمل. على المستوى السياسي، يأتي هذا الاتفاق قبل أيام من قمة الناتو المقررة في بروكسل، حيث يسعى الأوروبيون إلى إظهار وحدة الصف في مواجهة سياسات ترامب الانعزالية. المراقبون يرون أن الاتفاق هو «هدية» لأمريكا عشية القمة، لكنها هدية مشروطة. فبند التعليق هو رسالة واضحة مفادها أن أوروبا لن تقبل بعد الآن بعلاقة تجارية غير متكافئة. التفاصيل الفنية للاتفاق تشمل أيضاً إنشاء لجنة مشتركة لحل النزاعات التجارية، وتحديث قواعد الملكية الفكرية بما يتوافق مع المعايير الدولية، وتبسيط إجراءات الجمارك. لكن النقطة الأكثر إثارة للجدل هي تلك المتعلقة بالرسوم على الفولاذ والألمنيوم، حيث لا يزال ترامب يفرض رسوماً بنسبة 25% على الفولاذ و10% على الألمنيوم الأوروبي، ويرفض رفعها إلا في إطار اتفاق أوسع يشمل حصصاً كمية. الاتفاق الجديد يُنتظر أن يدخل حيز التنفيذ في غضون 90 يوماً، بعد مصادقة المجلس الأوروبي عليه. لكن الطريق لا يزال طويلاً، فالنص النهائي يشير إلى أن الاتفاق قابل للتعديل في أي وقت إذا تغيرت الظروف الاقتصادية أو السياسية. هذا البند المرن هو سيف ذو حدين: قد يسمح بتكييف الاتفاق مع المستجدات، لكنه قد يتحول أيضاً إلى ثغرة يستغلها ترامب للتراجع عن التزاماته. في الختام، يبدو أن أوروبا راهنت على نهج «الجزرة والعصا» مع ترامب: فتح الأسواق كمكافأة، مع ترك الباب مفتوحاً للعقوبات إذا لزم الأمر. لكن السؤال الذي يبقى معلقاً: هل سيلتزم ترامب بشروطه؟ أم أن الاتفاق سينتهي إلى أداة ضغط جديدة في يده؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة.
صفقة القرن الأوروبية: البرلمان يمنح ترامب ضوءاً أخضر مشروطاً قبل قمة الأطلسي

أقر البرلمان الأوروبي بشكل نهائي اتفاقاً تجارياً مع الولايات المتحدة يلغي الرسوم على معظم السلع الصناعية والزراعية، مقابل سقف للرسوم الأمريكية لا يتجاوز 15%، مع بند إنهاء تلقائي في 2029 وإمكانية تعليقه إذا لم يرفع ترامب رسوم الفولاذ والألمنيوم.
هذا الاتفاق ليس مجرد صفقة تجارية، بل هو اختبار حقيقي لمستقبل العلاقات عبر الأطلسي في ظل رئاسة دونالد ترامب. التاريخ يعيد نفسه: ففي عام 1930، أقر الكونغرس الأمريكي تعريفة سموت-هاولي التي رفعت الرسوم الجمركية إلى مستويات قياسية، مما أدى إلى حرب تجارية عالمية عمقت الكساد الكبير. اليوم، ومع عودة النزعة الحمائية الأمريكية، يسعى الأوروبيون إلى تجنب نفس المأزق، لكنهم يدركون أنهم يتعاملون مع خصم لا يتورع عن استخدام الرسوم الجمركية كسلاح سياسي.
السياق التاريخي مهم هنا: فمنذ تأسيس منظمة التجارة العالمية في 1995، سعت أوروبا وأمريكا معاً إلى تحرير التجارة، لكن سياسات ترامب «أمريكا أولاً» قلبت الطاولة. الرسوم على الفولاذ والألمنيوم في 2018 كانت إعلان حرب تجارية، ردت عليها أوروبا بفرض رسوم على منتجات أمريكية رمزية مثل الدراجات النارية وويسكي بوربون. والآن، يبدو أن أوروبا تتراجع خطوة إلى الوراء، لكنها تفعل ذلك بشروط تحفظ ماء وجهها.
اقتصادياً، الاتفاق يعكس واقعاً صعباً: أوروبا بحاجة ماسة إلى السوق الأمريكية لتصريف فائضها الصناعي، خصوصاً مع تباطؤ الاقتصاد الصيني. لكن في المقابل، تخاطر أوروبا بزيادة اعتمادها على واشنطن، مما يضعف موقفها التفاوضي في ملفات أخرى مثل المناخ والطاقة. سياسياً، الاتفاق قد يثير انقساماً داخل الاتحاد الأوروبي بين الدول الصناعية (ألمانيا) والدول الزراعية (فرنسا).
إقليمياً، الاتفاق يبعث برسالة إلى الصين مفادها أن أوروبا لا تزال متمسكة بالتحالف الغربي، لكنها في الوقت نفسه تفتح باباً للمراجعة الدورية الذي قد تستخدمه كوسيلة ضغط على بكين في ملفات أخرى. أما بالنسبة لروسيا، فالاتفاق يضعف أي محاولة أوروبية لاستخدام الورقة التجارية في ملف أوكرانيا.
التوقعات المستقبلية: من المرجح أن ينجح الاتفاق في خفض التوتر التجاري مؤقتاً، لكنه لن يحل الجذور العميقة للخلاف. مع اقتراب الانتخابات الأمريكية 2024، قد يستخدم ترامب الاتفاق كورقة انتخابية، مهدداً بالانسحاب منه إذا لم يحصل على تنازلات إضافية. في المقابل، قد تتعلم أوروبا من هذه التجربة ضرورة تنويع شركائها التجاريين، وتعزيز قدراتها الإنتاجية المحلية، لتصبح أقل اعتماداً على أي طرف واحد.
في النهاية، هذا الاتفاق هو بمثابة اختبار لمدى قدرة النظام التجاري المتعدد الأطراف على الصمود في وجه العواصف الحمائية. إذا نجح، قد يكون نموذجاً للاتفاقات المستقبلية؛ وإذا فشل، فسيكون دليلاً إضافياً على أن العالم يتجه نحو التكتلات المغلقة.