في تطور علمي يثير القلق، توصلت دراسة حديثة إلى أن مرض الهزال المزمن، الذي يصيب الغزلان والأيائل والموظ، يمكن أن ينتشر دون ظهور أعراض واضحة على الحيوانات المصابة. وجد الباحثون أن البريونات، وهي بروتينات معدية غير طبيعية تسبب المرض، يمكن أن توجد في أنسجة الحيوانات حتى قبل أن تظهر عليها علامات الهزال أو التغيرات السلوكية المميزة للمرض. الدراسة، التي أجريت على مدى عدة سنوات وشملت عينات من مئات الحيوانات، أظهرت أن البريونات تتراكم في الأنسجة اللمفاوية والجهاز العصبي المركزي قبل وقت طويل من ظهور الأعراض السريرية. هذا الاكتشاف يغير الفهم السابق لآلية انتشار المرض، حيث كان يعتقد أن الحيوانات المصابة لا تنقل العدوى إلا بعد ظهور الأعراض. مرض الهزال المزمن هو مرض تنكسي عصبي مميت يصيب فصائل من ذوات الحوافر، ويتميز بفقدان الوزن التدريجي، والخمول، وسيلان اللعاب، والعطش المفرط، وفقدان الخوف من البشر. ينتقل المرض عبر ملامسة الأنسجة المصابة أو تناول الطعام أو الماء الملوثين بالبريونات التي تطرحها الحيوانات المصابة في البيئة. القلق الأكبر يتمثل في قدرة البريونات على التحور والانتقال عبر الأنواع. فقد أظهرت الدراسات السابقة أن البريونات المسببة لمرض الهزال المزمن يمكن أن تصيب أنواعاً أخرى في المختبر، بما في ذلك القوارض وبعض الرئيسيات. لكن حتى الآن، لم يتم تسجيل أي إصابة مؤكدة لدى البشر. مع ذلك، يحذر الخبراء من أن غياب الأدلة لا يعني عدم وجود خطر. فمرض جنون البقر، الذي انتقل إلى البشر مسبباً مرض كروتزفيلد جاكوب الجديد، بدأ أيضاً كمرض يصيب الماشية قبل أن يقفز إلى البشر. ويبدو أن البريونات المسببة لمرض الهزال المزمن أكثر مرونة وقدرة على التكيف من تلك المسببة لمرض جنون البقر. الدراسة الجديدة تضيف بعداً آخر للقلق: إمكانية انتشار المرض بصمت بين قطعان الحيوانات البرية دون أن يتم اكتشافه، مما يزيد من فرص تعرض البشر للبريونات عبر الصيد أو تناول لحوم الحيوانات المصابة. في الولايات المتحدة وكندا، حيث ينتشر المرض بشكل واسع، يُنصح الصيادون بتجنب تناول لحوم الحيوانات التي تظهر عليها علامات المرض، لكن الدراسة تشير إلى أن الحيوانات التي لا تظهر عليها أعراض قد تكون أيضاً حاملة للعدوى. تتراوح تقديرات انتشار مرض الهزال المزمن بين 10% إلى 25% في بعض المناطق الموبوءة، لكن هذه النسب قد تكون أعلى بكثير بسبب عدم الإبلاغ عن الحالات التي لا تظهر عليها أعراض. كما أن البريونات يمكن أن تبقى في التربة لسنوات، مما يجعل القضاء على المرض شبه مستحيل بعد انتشاره. على الصعيد العالمي، تم تسجيل المرض في دول عديدة منها النرويج والسويد وفنلندا وكوريا الجنوبية. وفي العالم العربي، لم يتم الإبلاغ عن أي إصابات حتى الآن، لكن الخبراء يحذرون من أن التجارة الدولية في الحيوانات الحية ومنتجاتها قد تسهل انتقال المرض إلى مناطق جديدة. الدراسة تدعو إلى تعزيز أنظمة المراقبة البيطرية وتطوير تقنيات كشف سريعة وحساسة للبريونات في الحيوانات الحية، بالإضافة إلى زيادة الوعي بين الصيادين والمزارعين حول مخاطر المرض. كما تطالب بإجراء المزيد من الأبحاث حول إمكانية انتقال المرض إلى البشر ووضع خطط طوارئ للتعامل مع أي تفش محتمل. في غضون ذلك، يوصي العلماء بتجنب تناول لحوم الحيوانات المصابة أو تلك التي تعيش في مناطق موبوءة، واتباع إجراءات صارمة في التعامل مع جثث الحيوانات والتخلص منها لمنع تلويث البيئة. كما يشددون على أهمية التعاون الدولي في مراقبة المرض وتبادل المعلومات حول انتشاره وتطوره.
خطر صامت: مرض الهزال المزمن يهدد بالانتقال عبر الأنواع دون ظهور أعراض

كشفت دراسة جديدة أن مرض الهزال المزمن يمكن أن ينتشر بصمت، حيث توجد البريونات المعدية حتى في الحيوانات التي لا تظهر عليها أعراض. ورغم عدم تأكيد الخطر على البشر حتى الآن، يحذر الباحثون من قدرة المرض على التطور والانتقال عبر الأنواع، مما يستدعي مراقبة دقيقة.
مرض الهزال المزمن يقف على أعتاب قفزة نوعية نحو البشر؟ تحليل مقارن بين سيناريوهين
السيناريو الأول: التهديد الخفي
يشير العديد من علماء الأوبئة إلى أن مرض الهزال المزمن يمثل قنبلة موقوتة في عالم الأمراض الحيوانية المنشأ. فالبريونات، وهي العوامل المسببة للمرض، تتميز بقدرتها الفائقة على المقاومة والثبات في البيئة، كما أنها تتحور بسرعة تفوق الفيروسات والبكتيريا. الأبحاث المخبرية أثبتت بالفعل إمكانية انتقال المرض إلى أنواع أخرى، بما في ذلك القوارض والرئيسيات. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل البشر محصنون حقاً ضد هذا المرض؟
التاريخ يعلمنا أن الثقة الزائدة في مناعة الأنواع كانت سبباً في كارثة مرض جنون البقر. ففي الثمانينيات، اعتقد العلماء أن البريونات المسببة لمرض جنون البقر لا يمكنها الانتقال إلى البشر، لكن في عام 1996 ظهر أول إصابة بشرية بمرض كروتزفيلد جاكوب الجديد، المرتبط باستهلاك لحوم ملوثة. ومنذ ذلك الحين، توفي أكثر من 200 شخص جراء هذا المرض في بريطانيا وحدها.
مرض الهزال المزمن يختلف عن مرض جنون البقر في جوانب مهمة. فالأول يصيب حيوانات برية واسعة الانتشار، بينما الثاني كان يقتصر على الماشية في المزارع. كما أن البريونات المسببة لمرض الهزال المزمن تظهر تنوعاً جينياً أكبر، مما يزيد من احتمالية ظهور سلالات قادرة على إصابة البشر. بالإضافة إلى ذلك، فإن طرق التعرض للبريونات لدى البشر متعددة: عبر تناول اللحوم، أو استنشاق الجزيئات الملوثة، أو ملامسة التربة الملوثة.
الدراسة الجديدة تضيف دليلاً آخر على خطورة هذا السيناريو: إمكانية انتشار المرض بصمت دون ظهور أعراض. هذا يعني أن الحيوانات المصابة قد تبقى في القطيع لسنوات وهي تنشر البريونات في البيئة دون أن يلاحظها أحد. وبالتالي، فإن الصيادين والمزارعين قد يتعرضون للبريونات دون أن يدركوا ذلك، خاصة في المناطق التي لا تخضع لمراقبة بيطرية صارمة.
السيناريو الثاني: القفزة المستعصية
على الجانب الآخر، يرى بعض الباحثين أن خطر انتقال مرض الهزال المزمن إلى البشر لا يزال نظرياً بعيد المنال. فهم يشيرون إلى أن هناك حاجزاً طبيعياً بين الأنواع يمنع البريونات من إصابة البشر بسهولة. فالبريونات تحتاج إلى تطابق في تسلسل الأحماض الأمينية لبروتين البريون في الخلايا المضيفة، والاختلافات بين البشر والغزلان كبيرة بما يكفي لجعل الانتقال صعباً.
كما أن الدراسات الوبائية لم تجد أي دليل على إصابة البشر بالمرض بعد عقود من التعرض للحيوانات المصابة. ففي أمريكا الشمالية، حيث ينتشر المرض منذ أكثر من 50 عاماً، لم يتم تسجيل أي حالة مؤكدة لدى البشر رغم استهلاك ملايين الأشخاص للحوم الغزلان المصابة. حتى أن الدراسات التي أُجريت على الصيادين وعمال المزارع المعرضين بشدة للمرض لم تُظهر أي زيادة في حالات الأمراض العصبية التنكسية.
لكن مؤيدي هذا السيناريو يعترفون بأن غياب الدليل ليس دليلاً على الغياب. فمرض الهزال المزمن قد يتسبب في أمراض عصبية لدى البشر يصعب تمييزها عن أمراض أخرى مثل الزهايمر أو باركنسون. كما أن فترة الحضانة الطويلة للمرض، التي قد تمتد لعقود، تجعل من الصعب ربط التعرض بالمرض.
التقييم النهائي: بين الحذر والتهويل
الواقع أن كلا السيناريوهين يحملان جوانب من الصحة. فمن ناحية، لا يمكن تجاهل الأدلة المختبرية على إمكانية انتقال المرض إلى الرئيسيات، والتاريخ المؤلم لمرض جنون البقر. ومن ناحية أخرى، لا يمكن التهويل بالخطر دون دليل قاطع على إصابة البشر.
الموقف الأكثر حكمة يتمثل في توخي الحذر واتخاذ الإجراءات الوقائية دون إثارة الذعر. ويشمل ذلك تعزيز المراقبة البيطرية، وتوعية الجمهور بمخاطر تناول اللحوم غير المفحوصة، ودعم الأبحاث حول آليات انتقال البريونات. كما ينبغي على الحكومات تطوير خطط طوارئ للتعامل مع أي تفش محتمل بين البشر.
في النهاية، يبقى مرض الهزال المزمن اختباراً لقدرتنا على التعامل مع المخاطر الصحية الناشئة في عالم معولم. فالتحدي لا يكمن فقط في فهم البيولوجيا المعقدة للبريونات، بل في بناء أنظمة صحية قادرة على الاستجابة بسرعة وفعالية للتهديدات غير المتوقعة.