ثقافة وفن

خبير باليه روسي يفضح خدع السوشيال ميديا: راقصون وهميون يسرقون بريق الفن الحقيقي

ستاف كوانتم·فريق التحرير١٦ يونيو ٢٠٢٦ في ١٠:٠٩ ص5 دقائق قراءة
خبير باليه روسي يفضح خدع السوشيال ميديا: راقصون وهميون يسرقون بريق الفن الحقيقي

مدير أكاديمية فاغانوفا للباليه نيقولاي تسيسكاريدزي يشكك في مصداقية فيديوهات الباليه المنتشرة على وسائل التواصل، محذراً من تضليل الجمهور بمحتوى مزيف يهدد جوهر هذا الفن العريق.

في زمن تتدفق فيه مقاطع الفيديو القصيرة كالسيل الجارف، حيث يتحول كل شيء إلى محتوى سريع الاستهلاك، خرج صوت موثوق من أعماق مدرسة الباليه الروسية العريقة ليضع حداً لهذا الطوفان من الأوهام. نيقولاي تسيسكاريدزي، مدير أكاديمية فاغانوفا للباليه وفنان الشعب الروسي، أطلق تصريحاً مدوياً أعاد فيه تعريف العلاقة بين الفن الرقمي والفن الحقيقي. تسيسكاريدزي، الذي حمل على عاتقه مسؤولية الحفاظ على تراث الباليه الروسي الخالص، لم يتردد في الإفصاح عن عدم ثقته بالعديد من مقاطع الفيديو المتداولة لراقصي الباليه عبر منصات التواصل الاجتماعي. وأشار إلى أن هذه المقاطع لا تعكس المستوى الحقيقي للفن، بل تخفي وراءها تقنيات تحرير متطورة وتلاعباً بالصورة يخدع المشاهد العادي. لم تكن هذه المرة الأولى التي يثير فيها تسيسكاريدزي الجدل حول معايير الفن الرفيع، لكن تصريحه الأخير حمل نبرة تحذيرية واضحة. ففي لقاء مع قناة روسية، أوضح أن ما يراه على الشاشات هو في الغالب "أكروبات رقمية" لا تمت بصلة إلى تقنيات الباليه الأصيلة التي تتطلب سنوات من التدريب القاسي. وقال: "هذه الفيديوهات تخلق وهماً بأن الباليه أصبح سهلاً، وأن أي شخص يمكنه أداء حركات معقدة بضغطة زر. لكن الحقيقة أن الباليه هو فن التضحية والصبر، ولا يمكن اختزاله في فيديو مدته 15 ثانية". التصريح أثار موجة من النقاشات في الأوساط الفنية، حيث انقسم المتابعون بين مؤيد ومعارض. البعض رأى في كلمات تسيسكاريدزي دفاعاً عن نقاء الفن، بينما اعتبر آخرون أنها هجوم على جيل جديد من الراقصين الذين يستخدمون وسائل التواصل لنشر شغفهم. لكن الأكاديمية التي يديرها تسيسكاريدزي ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل هي أيقونة في عالم الباليه. تأسست عام 1738، وخرج منها ألمع نجوم الباليه في التاريخ، مثل رودولف نورييف وميخائيل باريشنيكوف. لذلك، فإن أي تصريح يصدر عن إدارتها يحمل وزناً كبيراً. الجدير بالذكر أن ظاهرة الفيديوهات المزيفة ليست جديدة على وسائل التواصل، لكنها تطورت بشكل كبير مع ظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحرير الفيديو المتقدم. أصبح من الممكن الآن جعل أي شخص يبدو وكأنه يؤدي حركات باليه معقدة، حتى لو لم يقف على خشبة مسرح في حياته. هذا التطور يثير تساؤلات حول مستقبل الفنون في العصر الرقمي. هل يمكن للفن الحقيقي أن ينافس الوهم الرقمي؟ وكيف يمكن للجمهور أن يميز بين الأصيل والمزيف؟ تسيسكاريدزي لم يقدم إجابات نهائية، لكنه وجه دعوة للعودة إلى الجذور. دعا الجمهور إلى حضور العروض الحية ومشاهدة الباليه على المسارح الحقيقية، حيث لا مكان للخداع. في الوقت نفسه، أشار إلى أن بعض الفيديوهات المنتشرة بالفعل حقيقية وموهوبة، لكنها تمثل الاستثناء وليس القاعدة. وأكد أن مهمته كمدير لأكاديمية فاغانوفا هي حماية معايير الفن الرفيع، حتى في مواجهة موجة الرقمنة. التصريح يأتي في وقت تشهد فيه روسيا طفرة في الاهتمام بالباليه، مع تزايد عدد الطلاب الراغبين في الالتحاق بالمدارس المتخصصة. لكن هذا الاهتمام يصاحبه أيضاً انتشار للأساطير والمعلومات الخاطئة حول صعوبة وتقنيات هذا الفن. من جهة أخرى، يرى بعض النقاد أن تسيسكاريدزي يبالغ في تشاؤمه، وأن وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تكون نافذة رائعة لنشر الفن للجماهير. لكنهم يعترفون بأن هناك حاجة إلى مزيد من التوعية حول الفرق بين المحتوى الحقيقي والمزيف. في النهاية، يظل الباليه فناً يحتاج إلى جهد وتفانٍ لا يمكن تزييفه. وكما قال تسيسكاريدزي: "الرقص الحقيقي يظهر في العيون والتعبير، وليس فقط في الحركات. وهذه أشياء لا تستطيع الكاميرا تزييفها". هذا التصريح يفتح باباً للنقاش حول مستقبل الفنون في عصر الفيديو القصير، ويذكرنا بأن بعض القيم الفنية تظل ثابتة رغم كل التغيرات التكنولوجية. ربما حان الوقت للجمهور أن يصبح أكثر وعياً، وللمبدعين أن يعيدوا التفكير في كيفية تقديم فنهم في عالم يزداد افتراضية كل يوم.

رأي ستاف كوانتم

تصريح نيقولاي تسيسكاريدزي ليس مجرد رأي فني عابر، بل هو بمثابة جرس إنذار يدق في وجه ثقافة رقمية تفتقر إلى العمق. هذا الموقف يذكرنا بمواقف تاريخية مشابهة، عندما ثار نقاد الفن التشكيلي ضد ظهور التصوير الفوتوغرافي في القرن التاسع عشر، معتبرين أنه يقتل جوهر الرسم. لكن مع مرور الوقت، أثبتت التجربة أن التكنولوجيا يمكن أن تكون أداة تعبير جديدة، وليست تهديداً.

على الصعيد الاقتصادي، تعتمد صناعة الباليه بشكل كبير على السمعة والمصداقية. فوجود فيديوهات مزيفة قد يؤثر سلباً على إيرادات المسارح وفرص العمل للراقصين الحقيقيين. كما أن انتشار المحتوى الرقمي الرخيص يقلص من قيمة التدريب المكثف الذي يتطلب استثمارات مالية وبشرية ضخمة.

سياسياً، تأتي تصريحات تسيسكاريدزي في سياق أوسع من الهوية الثقافية الروسية. فالباليه هو أحد ركائز القوة الناعمة لروسيا، وأي تهديد لهذا التراث يعتبر تهديداً للصورة الذهنية للدولة. لذلك، من المتوقع أن تحظى هذه التصريحات بدعم رسمي، وربما تؤدي إلى تشديد الرقابة على المحتوى الثقافي عبر الإنترنت.

إقليمياً، هناك دول مثل فرنسا وإيطاليا تواجه تحديات مماثلة، حيث تتصارع المؤسسات الثقافية التقليدية مع منصات التيك توك ويوتيوب. التعاون بين هذه الدول في وضع معايير موحدة للفن الرقمي قد يكون خطوة ضرورية.

مستقبلاً، أتوقع أن نشهد تطوراً في مجال التحقق من صحة الفيديوهات الفنية، باستخدام تقنيات البلوك تشين والتوقيع الرقمي. كما قد تظهر شهادات "باليه أصلي" للمحتوى المعتمد. الأهم من ذلك، أن الجمهور سيتعلم تدريجياً كيفية تمييز الجودة الحقيقية، تماماً كما تعلم في الماضي التمييز بين الأغاني المسجلة على الهواء مباشرة وتلك المعدلة استوديوياً.

التحدي الحقيقي ليس في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في كيفية استخدامها. إذا استطاعت مؤسسات الباليه أن تتبنى وسائل التواصل كمنصة تعليمية وتوعوية، بدلاً من النظر إليها كعدو، فقد نرى تعايشاً جديداً بين الأصالة والرقمنة. لكن ذلك يتطلب قيادة حكيمة، وقبل كل شيء، جمهوراً مثقفاً يرفض الخداع.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من ثقافة وفن

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →