ثقافة وفن

حلب تنتفض من تحت الركام: أسواق التراث العالمي تستعيد نبضها رغم جراح الحرب والزلزال

ستاف كوانتم·فريق التحرير١٦ يونيو ٢٠٢٦ في ١٢:٣٠ م4 دقائق قراءة
حلب تنتفض من تحت الركام: أسواق التراث العالمي تستعيد نبضها رغم جراح الحرب والزلزال

بعد سنوات من الدمار الذي حل بأسواق حلب التاريخية جراء الحرب والزلزال، يعود التجار والزوار تدريجياً إلى المدينة القديمة. أكثر من 60% من الأسواق تضررت، لكن روح الصمود تدفع نحو إعادة الإعمار وسط تحديات هائلة.

تستعيد مدينة حلب، العاصمة الاقتصادية لسوريا، جزءاً من بريقها القديم بعد سنوات من الدمار الممنهج الذي حل بها خلال المعارك بين قوات المعارضة ونظام بشار الأسد وحليفه الروسي بين عامي 2012 و2016، ثم زلزال فبراير 2023 الذي أضاف جراحاً جديدة. فتحت قلعة حلب الشهيرة أبوابها مجدداً أمام الزوار، وعاد التجار تدريجياً إلى أسواقها التاريخية التي تمتد على مسافة 14 كيلومتراً وتضم أكثر من أربعة آلاف متجر وخمسين محلاً تجارياً. وفقاً لتقديرات اليونسكو، فإن أكثر من 60% من أسواق حلب القديمة المدرجة على قائمة التراث العالمي قد تضررت أو دمرت بالكامل. المشهد اليوم في حلب القديمة يحمل ملامح الأمل المقترن بالألم. ففيما تتصاعد أصوات المطارق وتتحرك عربات البناء بين الأزقة الضيقة، لا تزال ندوب الحرب واضحة على الجدران الحجرية التي شهدت قروناً من التبادل التجاري والثقافي. يقول أحد التجار الذين أعادوا فتح متاجرهم: "نحن لا نبيع البضائع فقط، بل نبيع الذاكرة والأمل". لكن الطريق إلى التعافي الكامل لا يزال طويلاً، فغياب التمويل الكافي وعدم استقرار الوضع السياسي يعقدان جهود إعادة الإعمار. تعد أسواق حلب القديمة واحدة من أكبر الأسواق المغطاة في العالم، وقد كانت مركزاً تجارياً حيوياً على طريق الحرير. لكن الحرب حولتها إلى ساحات قتال، حيث تعرضت القباب الحجرية والأقواس الأثرية للقصف والتدمير. ثم جاء زلزال 2023 ليهدم ما تبقى من بعض المباني التاريخية. ومع ذلك، بدأت الجهود المحلية والدولية في ترميم ما يمكن ترميمه، وإن كانت بطيئة وغير كافية. يعود الزوار تدريجياً إلى قلعة حلب التي أعيد فتحها بعد ترميم جزئي، ويستكشفون الأزقة التي كانت مسرحاً لأحداث تاريخية كبرى. لكن الكثير من المتاجر لا تزال مغلقة، والبنية التحتية تحتاج إلى إعادة بناء شاملة. يقول مراقبون إن إعادة إعمار حلب ليست مجرد تحدٍ مادي، بل هي أيضاً اختبار لقدرة السوريين على الحفاظ على هويتهم التاريخية في وجه محاولات الطمس. التحدي الأكبر يكمن في توفير التمويل اللازم، خاصة مع استمرار العقوبات الدولية على سوريا وتراجع المساعدات الإنسانية. كما أن غياب خطة شاملة لإعادة الإعمار تشارك فيها جميع الأطراف يعيق التقدم. في المقابل، يبذل المجتمع المدني المحلي جهوداً مضنية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بدعم من بعض المنظمات الدولية. تظل حلب رمزاً للصمود السوري، لكن إعادة بنائها تتطلب أكثر من مجرد إرادة محلية؛ إنها تحتاج إلى إرادة سياسية دولية وإقليمية تضع مصلحة الشعب فوق الحسابات الضيقة. إن عودة الحياة إلى أسواق حلب ليست مجرد انتصار للتراث، بل هي رسالة أمل لكل من يعاني من ويلات الحروب في العالم العربي.

رأي ستاف كوانتم

إعادة إعمار حلب ليست مجرد عملية ترميم حجارة، بل هي معركة وجودية لهوية مدينة كانت يوماً ما جوهرة الشرق. إن الأسواق التاريخية التي تمتد على 14 كيلومتراً لم تكن مجرد مكان للبيع والشراء، بل كانت فضاءً ثقافياً واجتماعياً يختزل تنوع سوريا. تدميرها لم يكن عشوائياً، بل كان جزءاً من استراتيجية حرب تستهدف محو الذاكرة الجماعية.

من الناحية التاريخية، حلب كانت مركزاً تجارياً منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد، وموقعها على طريق الحرير جعلها ملتقى للحضارات. أسواقها القديمة التي بناها الأيوبيون والمماليك كانت نموذجاً للعمارة التجارية الإسلامية. لكن الحرب السورية حولتها إلى أنقاض، ليس فقط بسبب القصف المباشر، بل أيضاً بسبب النهب والتخريب.

اقتصادياً، كانت حلب مسؤولة عن حوالي 40% من الناتج الصناعي السوري قبل الحرب. تدمير أسواقها يعني تدمير شريان الاقتصاد المحلي. اليوم، مع عودة بعض التجار، يبدو المشهد واعداً لكنه هش. غياب التمويل الكافي واستمرار العقوبات يجعلان عملية إعادة الإعمار بطيئة. كما أن عدم استقرار سعر الصرف وارتفاع تكاليف مواد البناء يعقدان الأمور.

سياسياً، إعادة إعمار حلب تحمل أبعاداً إقليمية ودولية. فالنظام السوري يريد استخدام الملف كأداة ضغط سياسي، بينما تتردد الدول الغربية في تقديم تمويل دون حل سياسي شامل. هذا المأزق يترك حلب رهينة للصراعات الجيوسياسية. مستقبلاً، من المرجح أن تستمر عملية الإعمار بشكل جزئي، مع تركيز على المواقع السياحية مثل القلعة، بينما تبقى الأحياء السكنية والأسواق المتضررة بشدة في حالة ترقب.

التوقعات المستقبلية تشير إلى أن حلب لن تعود كما كانت قبل الحرب، على الأقل في المدى المنظور. لكن الصمود المحلي قد يخلق نموذجاً جديداً للتعافي من الأسفل، حيث يلعب المجتمع المدني دوراً أكبر. إن عودة الحياة إلى أسواق حلب هي انتصار رمزي مهم، لكنه يظل هشاً بدون دعم دولي جاد وإرادة سياسية حقيقية.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من ثقافة وفن

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →