سياسة

جنوب لبنان بين فرحة العودة ووجع الخراب: مشاهد الصمود في وجه الدمار

ستاف كوانتم·فريق التحرير١٦ يونيو ٢٠٢٦ في ٠٨:٣١ ص4 دقائق قراءة
جنوب لبنان بين فرحة العودة ووجع الخراب: مشاهد الصمود في وجه الدمار

مع إعلان الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران، بدأ اللبنانيون النازحون بالعودة إلى قراهم في الجنوب، حيث استقبلتهم مشاهد الخراب والدمار. هذا التقرير يستعرض تفاصيل العودة ويحلل أبعادها الإنسانية والسياسية.

مع بزوغ فجر الهدنة التي أبرمت بين الولايات المتحدة وإيران، والتي أنهت -مؤقتاً على الأقل- جولة جديدة من التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، بدأت قوافل السيارات المحملة بالأثاث البسيط والذكريات تتجه جنوباً في لبنان. مشاهد الفرح الممزوج بالحزن والألم تملأ الطرق المؤدية إلى القرى والبلدات التي غادرها النازحون قبل أسابيع تحت وطأة القصف والغارات. كانت العودة بمثابة تنفس الصعداء بعد ليالٍ من الرعب والخوف، لكنها حملت معها صدمة جديدة: مشاهد الدمار الهائل الذي حل بالمنازل والممتلكات والبنية التحتية. في بلدة بنت جبيل، التي كانت يوماً رمزاً للمقاومة والصمود، وقف الأهالي أمام أكوام الأنقاض التي كانت بيوتهم. يقول أبو حسن، وهو أب لخمسة أطفال: "عدنا لنبدأ من الصفر، لكن الأهم أننا عدنا إلى أرضنا. الخراب مؤلم، لكنه ليس نهاية الطريق". هذه الروح تتكرر في كل قرية وبلدة، حيث يصر السكان على إعادة بناء ما دمرته الحرب، رغم قلة الموارد والإمكانات. على الطرقات، تتداخل مشاهد العودة مع لوحات المفقودين والجرحى. فقد سقط العديد من الشهداء خلال الأيام الأخيرة، وهم في طريقهم إلى قراهم، نتيجة عبورهم مناطق غير مأمونة أو بسبب ذخائر غير منفجرة. المنظمات الإنسانية تحذر من خطورة العودة السريعة دون تأمين الطرق وتطهيرها من المخلفات الحربية. لكن الحاجة الملحة إلى العودة، والتوق إلى الحياة الطبيعية، يدفعان الناس إلى المجازفة. الهدنة التي تم التوصل إليها بين واشنطن وطهران أسفرت عن وقف إطلاق النار على الجبهات المختلفة، بما في ذلك الحدود اللبنانية الإسرائيلية. لكن هذه الهدنة هشة، وتتطلب ترتيبات أمنية معقدة لضمان استدامتها. الجيش اللبناني بدأ بالانتشار في المناطق الجنوبية، بالتنسيق مع قوات اليونيفيل، لمنع أي خروقات وإعادة الاستقرار. لكن حجم الدمار هائل، ويحتاج إلى سنوات لإعادة الإعمار. الوضع الإنساني في الجنوب مأساوي. آلاف العائلات تعيش في العراء أو في مساكن مؤقتة، تنتظر المساعدات التي تصل ببطء. المستشفيات تعمل بأقل طاقتها، والمدارس دمرت جزئياً أو كلياً. الدعم الدولي ما زال محدوداً، والموارد المحلية منهكة بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعاني منها لبنان منذ سنوات. رغم كل ذلك، يظل الجنوبيون متمسكين بأرضهم وهويتهم. يقول أحد النازحين العائدين: "هذه الأرض هي عنوان وجودنا. مهما كانت التضحيات، سنبقى هنا". هذه الروح الصامدة هي التي ستساعد لبنان على تجاوز هذه المحنة، لكنها تحتاج إلى دعم حقيقي من المجتمع الدولي والداخل اللبناني على حد سواء.

رأي ستاف كوانتم

عودة النازحين إلى جنوب لبنان ليست مجرد حدث إنساني عابر، بل هي لحظة حقيقة تعكس تناقضات المشهد اللبناني. من ناحية، هي انتصار للإرادة الشعبية التي رفضت التهجير القسري، ومن ناحية أخرى، هي كشف للفشل السياسي والعسكري الذي أوصل البلاد إلى هذه الحالة المأساوية. الهدنة التي تم التوصل إليها بين واشنطن وطهران قد أوقفت القتال مؤقتاً، لكنها لم تعالج جذور الأزمة. لبنان يدفع ثمن صراعات إقليمية ليست من صنعه، ويجد نفسه مرة أخرى ساحة لحروب بالوكالة.

السياق التاريخي لهذه العودة يعود إلى عقود من التوتر على الحدود الجنوبية، حيث تحولت المنطقة إلى مسرح لمواجهات متكررة بين إسرائيل وحزب الله. كل جولة من التصعيد تؤدي إلى نزوح جماعي، ثم عودة محفوفة بالمخاطر. هذه الدورة المفرغة من العنف والنزوح تعيد إنتاج نفسها باستمرار، دون أن يتحرك المجتمع الدولي بشكل جاد لوقفها.

اقتصادياً، الجنوب هو أحد أفقر المناطق في لبنان، ويعتمد بشكل كبير على الزراعة والخدمات المتعلقة بالمقاومة. الدمار الذي لحق بالبنية التحتية الزراعية، كالآبار وشبكات الري، سيكون له تأثير كارثي على الموسم الزراعي القادم. كما أن تدمير المصانع الصغيرة والمحلات التجارية سيؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة والفقر. إعادة الإعمار تتطلب ميزانية ضخمة، وهي غير متوفرة في ظل انهيار الاقتصاد اللبناني.

سياسياً، تعيد العودة طرح سؤال الحكم في لبنان. الدولة غير قادرة على حماية مواطنيها أو توفير الخدمات الأساسية، مما يعزز دور الجهات غير الحكومية كحزب الله في تقديم الدعم. هذا الوضع يضعف هيبة الدولة ويزيد من الانقسامات الداخلية. على المدى الطويل، إذا لم يتم بناء دولة قوية وفاعلة، فإن الجنوب سيبقى رهينة للأزمات الإقليمية.

مستقبلاً، التوقعات غير متفائلة. الهدنة الحالية قد تنهار في أي لحظة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق شامل حول ترسيم الحدود البرية والبحرية، وضمان أمن إسرائيل من جهة، وحق لبنان في استغلال موارده من جهة أخرى. كما أن الانتخابات الرئاسية اللبنانية المعلقة تزيد من حالة عدم الاستقرار. بدون حل سياسي داخلي، سيبقى الجنوب عرضة للاهتزازات الأمنية.

في الختام، عودة اللبنانيين إلى الجنوب هي لحظة تأمل وطنية. الفرح بالعودة لا يجب أن يخفي الواقع المر: لبنان بحاجة إلى إعادة بناء ليس فقط المباني، بل أيضاً الثقة بين الدولة والمواطن، وبين الفرقاء السياسيين. وإلا فإن مشاهد العودة إلى الخراب ستتكرر مرة أخرى.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من سياسة

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →