علوم وبيئة

تلسكوبا جيمس ويب وهابل يكشفان سراً كونياً: منطقة "تيرزان 5" ليست مجرد عنقود نجمي بل أحفورة فريدة تكشف أسرار تشكل مجرة درب التبانة

ستاف كوانتم·فريق التحرير١٧ يونيو ٢٠٢٦ في ١٢:٢٦ ص4 دقائق قراءة
تلسكوبا جيمس ويب وهابل يكشفان سراً كونياً: منطقة "تيرزان 5" ليست مجرد عنقود نجمي بل أحفورة فريدة تكشف أسرار تشكل مجرة درب التبانة

كشفت أرصاد مشتركة لتلسكوبي جيمس ويب وهابل الفضائيين أن منطقة تيرزان 5، التي كانت تُصنف كعنقود نجمي كروي، هي في الواقع نظام نجمي معقد يضم أربعة أجيال من النجوم، مما يقدم رؤية جديدة لتاريخ تشكل مجرتنا ويدعم نظرية التراكم التدريجي للمادة.

في إنجاز علمي غير مسبوق، استطاع فريق من الباحثين بقيادة جيورجيا زولو من جامعة بولونيا الإيطالية، بالاستعانة بتلسكوبي جيمس ويب وهابل الفضائيين، كشف النقاب عن الطبيعة الحقيقية لمنطقة تيرزان 5، التي تبين أنها ليست مجرد عنقود نجمي كروي عادي، بل نظام نجمي مستقل ومكتفٍ بذاته، يحتوي على ما يصل إلى أربع مجموعات نجمية متميزة، مما يعيد تعريف فهمنا لتشكل المجرات. تقع تيرزان 5 في منطقة الانتفاخ المركزي لمجرة درب التبانة، وهي منطقة مزدحمة بالنجوم القديمة التي شكلت نواة المجرة الأولى. لطالما اعتبر علماء الفلك أن هذه المنطقة تحتوي على عناقيد نجمية كروية، وهي تجمعات من النجوم القديمة التي تشكلت في وقت واحد تقريبًا. لكن الأرصاد الجديدة تظهر أن تيرزان 5 أكثر تعقيدًا بكثير، فهي تشبه "كتلة متكتلة" في خليط كيك، حيث تمكنت من الحفاظ على هويتها المستقلة رغم اندماجها في الانتفاخ المجري. تم اكتشاف تيرزان 5 عام 1968 من قبل عالم الفلك أزوب تيرزان، لكن دراسات لاحقة بدأت تكشف عن شذوذها. ففي عام 2009، اكتشف العلماء وجود مجموعتين نجميتين مختلفتين في هذا النظام، وهو ما يتعارض مع طبيعة العناقيد الكروية التي تحتوي عادة على جيل واحد فقط من النجوم. وفي عام 2016، قدم تلسكوب هابل أول تقدير لأعمار هذه المجموعات، وكشف أن إحداها تشكلت قبل حوالي 12 مليار سنة، بالتزامن مع تشكل درب التبانة نفسها، بينما تشكلت الأخرى قبل حوالي 5 مليارات سنة، أي قبل وقت قصير من تشكل الأرض. الآن، وبفضل قدرات تلسكوب جيمس ويب الفائقة في الرصد بالأشعة تحت الحمراء، استطاع الفريق اختراق الغبار الكثيف الذي يحجب رؤية تيرزان 5، والحصول على صور مفصلة لمئات النجوم. وبمقارنة هذه الصور مع أرشيف هابل، تمكنوا من تأكيد وجود أربعة أجيال نجمية متميزة، مما يجعل تيرزان 5 فريدة من نوعها بين الأنظمة النجمية المعروفة. تفسر هذه النتائج كيف يمكن لنظام نجمي أن ينتج أجيالًا متعددة من النجوم دون أن يفقد تماسكه. فعادةً، عندما تموت النجوم الضخمة، تنفث عناصر ثقيلة في الوسط النجمي، مما يثريه ويمكن أن يحفز تشكل نجوم جديدة. لكن في معظم العناقيد الكروية، تكون الجاذبية ضعيفة جدًا بحيث لا تحتفظ بهذه المواد، فتتسرب إلى الفضاء. أما تيرزان 5، فبسبب كتلتها الكبيرة، استطاعت الاحتفاظ بغبارها وغازها، واستخدامها مرارًا لتشكيل نجوم جديدة، مما أدى إلى أطياف متنوعة من الأعمار والتركيبات الكيميائية. هذه العملية، التي تسمى "الإثراء الذاتي"، كانت نظرية منذ زمن طويل، لكنها الآن تؤكد لأول مرة بشكل قاطع في نظام واحد. يقول الباحثون إن تيرزان 5 بمثابة "أحفورة" من بدايات تشكل المجرة، تحفظ في طياتها سجلًا للتطور الكيميائي والديناميكي الذي حدث على مدى مليارات السنين. وتتجاوز أهمية هذا الاكتشاف حدود فهم منطقة واحدة في مجرتنا. ففي الماضي، كانت المجرات تتشكل من خلال اندماج وحدات أصغر، مثل تيرزان 5. وبالتالي، فإن دراسة هذه الأنظمة يمكن أن تكشف عن الآليات التي أدت إلى بناء المجرات الكبيرة مثل درب التبانة. كما أنها تقدم دليلًا على أن تشكل النجوم ليس عملية تحدث مرة واحدة فقط، بل يمكن أن تستأنف بعد فترات طويلة من السكون، شريطة توفر الظروف المناسبة. وقد تم عرض هذه النتائج في مؤتمر الجمعية الفلكية الأمريكية في باسادينا، ونشرت في مجلة "علم الفلك والفيزياء الفلكية" المرموقة. ويخطط الفريق الآن لاستخدام ويب لدراسة مناطق أخرى في الانتفاخ المجري، بحثًا عن أنظمة مماثلة قد تحمل مفاجآت مماثلة.

رأي ستاف كوانتم

هذا الاكتشاف لا يغير فقط تصنيف تيرزان 5، بل يعيد تعريف فهمنا لتطور المجرات. من الناحية السياسية، يبرز التعاون الدولي في مشاريع مثل ويب وهابل كأحد النماذج الناجحة للعمل المشترك، حيث تشاركت وكالات الفضاء الأمريكية والأوروبية والكندية في بناء هذين التلسكوبين، مما يثبت أن التحديات العلمية الكبرى لا تعترف بالحدود. هذا النموذج يمكن أن يكون مصدر إلهام للتعاون في مجالات أخرى.

اقتصاديًا، الاستثمار في مثل هذه المشاريع الفضائية يبدو باهظًا، لكن عائده العلمي والتكنولوجي هائل. فالتقنيات التي طورت لبناء ويب وهابل ساهمت في تطوير مجالات مثل البصريات والاتصالات والحوسبة، مما أثر إيجابًا على الاقتصاد العالمي. كما أن هذا الاكتشاف يعزز من قيمة البحث الأساسي الذي قد لا يكون له تطبيقات فورية، لكنه يثري المعرفة البشرية ويحفز الابتكار.

على الصعيد الإقليمي، تتمتع منطقة الشرق الأوسط بتراث فلكي عريق، حيث أسهم العرب والمسلمون في العصور الذهبية في تطوير علم الفلك. وهذا الاكتشاف يذكرنا بأهمية دعم الأبحاث الفضائية في المنطقة، خاصة مع وجود مراصد حديثة في دول مثل الإمارات والمملكة العربية السعودية، والتي يمكنها المشاركة في دراسات مماثلة.

أما من الناحية الإنسانية، فإن هذا الاكتشاف يثير التساؤلات الفلسفية حول مكانتنا في الكون. فإذا كانت نجوم تيرزان 5 تشكلت قبل 12 مليار سنة، فإنها أقدم من الشمس والأرض، بل أقدم من معظم العناصر الثقيلة التي تشكلت فيها. هذا يذكرنا بأننا جزء من عملية كونية مستمرة، وأن كل ذرة في أجسادنا كانت يومًا ما داخل نجم.

مستقبلًا، من المتوقع أن تؤدي هذه النتائج إلى إعادة النظر في نماذج تشكل المجرات. فقد تكون هناك أنظمة أخرى مماثلة لم تُكتشف بعد، خاصة في الانتفاخ المجري المزدحم. كما أن قدرة ويب على اختراق الغبار الكوني ستكشف المزيد من الأسرار عن بدايات الكون وتطوره. قد نجد أن تشكل النجوم في المجرات المبكرة كان أكثر تعقيدًا مما نتصور، وأن العناقيد الكروية ليست كلها متشابهة، بل تتنوع في أعمارها وتاريخها.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من علوم وبيئة

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →