في تطور ينذر بمرحلة جديدة من التباطؤ الاقتصادي، أظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن المكتب الوطني للإحصاء أن مبيعات التجزئة في الصين انكمشت بنسبة 0.8% خلال مايو الماضي مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، وهو أول تراجع منذ فبراير 2020، عندما كان الاقتصاد العالمي لا يزال تحت وطأة الجائحة. هذا الانخفاض فاجأ المحللين الذين توقعوا نمواً طفيفاً بنحو 0.3%، مما يعكس ضعفاً حاداً في إنفاق المستهلكين، الذي طالما كان المحرك الرئيسي للنمو في السنوات الأخيرة. لم تقتصر المؤشرات السلبية على قطاع التجزئة فحسب، بل امتدت لتشمل الاستثمار في الأصول الثابتة الحضرية، الذي نما بنسبة 4% فقط خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، وهو أدنى مستوى منذ بدء الجائحة، وأقل من التوقعات البالغة 4.4%. كما أظهرت بيانات الإنتاج الصناعي نمواً بنسبة 5.6% في مايو، وهو أقل من المتوقع البالغ 6.2%، مما يشير إلى أن القطاع الصناعي، الذي كان صامداً نسبياً، بدأ يفقد زخمه. هذه الأرقام تأتي في وقت تعاني فيه الصين من أزمة عقارية متفاقمة، وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب إلى مستويات قياسية تجاوزت 20%، وتراجع ثقة المستهلكين والشركات على حد سواء. فبعد أن رفعت الحكومة توقعاتها للنمو لعام 2024 إلى نحو 5%، تبدو هذه المستهدفات الآن بعيدة المنال في ظل استمرار ضعف الطلب المحلي وتراجع الصادرات بسبب التوترات التجارية مع الولايات المتحدة وأوروبا. على الصعيد العقاري، يظل القطاع العقاري أكبر مصدر للقلق، حيث انخفضت استثمارات التطوير العقاري بنسبة 10.1% في الفترة من يناير إلى مايو، مع استمرار انهيار مبيعات المساكن وتراجع أسعارها. هذا الانكماش يؤثر سلباً على الاستهلاك والاستثمار، حيث يمثل القطاع العقاري نحو 25% من الناتج المحلي الإجمالي للصين عند احتساب آثاره غير المباشرة. في مواجهة هذه التحديات، أعلنت بكين عن حزمة تحفيز جديدة شملت خفض أسعار الفائدة على الرهن العقاري وتخفيف قواعد الشراء، بالإضافة إلى إصدار سندات حكومية لتمويل البنية التحتية. لكن المحللين يرون أن هذه الإجراءات قد لا تكون كافية لعكس المسار، خاصة مع تمسك البنك المركزي الصيني بسياسة نقدية حذرة خوفاً من تفاقم الديون. على الصعيد الخارجي، تتعرض الصين لضغوط متزايدة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، حيث فرضت واشنطن رسوماً جمركية جديدة على السيارات الكهربائية والسلع الصينية الأخرى، بينما يدرس الاتحاد الأوروبي إجراءات مماثلة. هذه التوترات التجارية تهدد بتقويض أحد المحركات القليلة للنمو الاقتصادي الصيني، وهو قطاع التصدير. في هذا السياق، يبدو أن الاقتصاد الصيني يواجه تحديات هيكلية عميقة تتجاوز التقلبات الدورية، حيث يعاني من شيخوخة السكان السريعة، وتراجع الإنتاجية، وديون مرتفعة على مستوى الشركات والحكومات المحلية. هذه العوامل تجعل التعافي بطيئاً وغير مؤكد، مما يثير تساؤلات حول قدرة الصين على تحقيق نمو مستدام في المستقبل.
تراجع تاريخي في مبيعات التجزئة الصينية: الاقتصاد العملاق يسجل أول انكماش في 3 سنوات

سجلت مبيعات التجزئة في الصين أول انخفاض لها منذ أكثر من ثلاث سنوات خلال مايو، بينما انكمش الاستثمار الحضري بأكثر من المتوقع، مما يعمق مؤشرات الركود في ثاني أكبر اقتصاد عالمي.
تأتي هذه البيانات المقلقة لتؤكد أن الاقتصاد الصيني يمر بمرحلة حرجة قد تحدد مساره لعقد كامل. بينما تتبنى الحكومة الصينية نهجاً تدريجياً في التحفيز، تجنباً لتفاقم الديون وخلق فقاعات جديدة، يرى منتقدون أن هذا التردد قد يطيل أمد الركود ويزيد من معاناته. في السيناريو الأول، قد تنجح الإجراءات الحالية في تحقيق هبوط ناعم، حيث تستقر الأمور تدريجياً مع تحسن ثقة المستهلكين والشركات بحلول نهاية العام. لكن هذا السيناريو يتطلب تحسناً في سوق العقارات وثباتاً في الصادرات، وهو أمر غير مضمون في ظل التوترات الجيوسياسية. في السيناريو البديل، قد يتعمق الركود ليشمل قطاعات أوسع، مما يدفع بكين إلى تبني حزمة تحفيز ضخمة تشبه تلك التي أطلقتها عام 2008، لكن هذه المرة في ظل ديون أعلى بكثير، مما قد يؤدي إلى أزمة ديون وتباطؤ حاد. تاريخياً، اعتمدت الصين على نموذج النمو القائم على الاستثمار والصادرات، لكن هذا النموذج أظهر علامات الإرهاق. البعد الإقليمي لا يقل أهمية، فالتباطؤ الصيني يؤثر على شركائها التجاريين في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، مما قد يعيد تشكيل سلاسل التوريد العالمية. اقتصادياً، يبدو أن التحول نحو الاستهلاك المحلي كقاطرة للنمو يتطلب إصلاحات هيكلية أعمق، بما في ذلك تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي لتشجيع الإنفاق، وتحرير القطاع المالي، وتحسين بيئة الأعمال للقطاع الخاص. التوقعات المستقبلية دقيقة تشير إلى أن النمو قد يتراوح بين 4% و4.5% في 2024، وهو أدنى مستوى منذ عقود باستثناء سنوات الجائحة، مع احتمالية أكبر للانخفاض نحو 3% إذا تفاقمت الأزمات العقارية والتجارية.