خاص - كوانتم انفراجة في مضيق هرمز، تراجع في أسعار النفط، وآمال معلقة على انخفاض غلاء المعيشة. هكذا بدت الصورة في الأيام الماضية، بعد أن أعلنت الأطراف المتنازعة عن اتفاق مبدئي لإعادة فتح الممر المائي الحيوي الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية. لكن الحقيقة، كما يراها المراقبون والمستهلكون على حد سواء، أكثر تعقيداً. فبينما هبط سعر برميل خام برنت بنحو 8% خلال أسبوع، بقيت أسعار الخبز والزيت والسكر في الأسواق المحلية شبه ثابتة، وكأن وعود الانخفاض لا تصل إلى جيوب المواطنين. السبب، كما يشرحه خبراء الاقتصاد، أن أسعار النفط ليست العامل الوحيد في تحديد أسعار السلع. هناك تكاليف النقل البحري والبري، والتأمين، والتخزين، والرسوم الجمركية، وهوامش الربح للموزعين وتجار التجزئة. كل هذه العوامل تضاعف أثر أي تغير في سعر النفط. فإذا انخفض النفط بنسبة 8%، فإن تأثيره على سعر رغيف الخبز لا يتجاوز 1% إلى 2% في أفضل الأحوال، وفي العادة يستغرق أسابيع حتى يظهر في المحال. لكن هناك جانب آخر أكثر خطورة: تشوهات السوق. ففي كثير من الدول المستوردة للنفط، تتحكم شركات احتكارية في سلاسل التوريد، وتستغل أي فرصة لتعظيم أرباحها. وعندما ترتفع أسعار النفط، ترفع أسعار السلع فوراً، وعندما تنخفض، تتباطأ في التخفيض، إن لم تتجاهله تماماً. هذا السلوك، الذي يسميه الاقتصاديون "العصا اللزجة"، هو الذي يحول دون أن تصل انفراجة هرمز إلى المواطن العادي. والأمر لا يتوقف عند هذا الحد. فأسعار المواد الغذائية الأساسية تتأثر أيضاً بعوامل مناخية، مثل الجفاف والفيضانات، وباضطرابات سلاسل الإمداد العالمية التي لم تتعافَ بالكامل من جائحة كورونا. كما أن ارتفاع أسعار الأسمدة والمبيدات، المرتبط بدوره بأسعار الطاقة، يضغط على تكاليف الإنتاج الزراعي. في هذا السياق، يبدو التفاؤل بانخفاض وشيك في غلاء المعيشة مبالغاً فيه. صحيح أن تراجع النفط يخفف الضغط على ميزانيات الدول المستوردة، وقد يساعد في خفض التضخم على المدى الطويل، لكنه ليس حلاً سحرياً. الحكومات التي تنتظر أن تحل تقلبات أسعار النفط مشكلة الغلاء تنتظر سراباً. المطلوب هو إصلاحات هيكلية في أسواق السلع، وكسر الاحتكارات، وتعزيز المنافسة، ودعم الفئات الأكثر تضرراً بشكل مباشر. المفارقة الصارخة أن أزمة هرمز التي هددت بكارثة اقتصادية عالمية، انتهت بأقل الخسائر، لكن أزمة غلاء المعيشة التي يعاني منها ملايين البشر يومياً لا تزال مشتعلة. وكأن أسواق النفط تتحرك بسرعة البرق، بينما تتحرك أسواق السلع الأساسية بسرعة السلحفاة. وحده المواطن يدفع الثمن. ليس المطلوب هنا أن نلغي الأثر الإيجابي لتراجع النفط، بل أن نضعه في حجمه الطبيعي. إنه بارقة أمل، لا أكثر. الانفراجة الحقيقية تحتاج إلى إرادة سياسية وجهد دولي لتصحيح مسارات الأسواق، وليس مجرد انتظار هبوط أسعار الخام.
تراجع النفط يبشر بانفراجة لكن الخبز ما زال ناراً: أزمة هرمز تخبو والغلاء يشتعل

بعد اتفاق مبدئي لإعادة فتح مضيق هرمز، تراجعت أسعار النفط عالمياً، مما أثار آمالاً بانخفاض تكاليف المعيشة. لكن الخبراء يحذرون من أن تأثير ذلك على أسعار السلع الأساسية محدود، إذ لا تزال تكاليف النقل والتخزين مرتفعة، والأسواق تعاني من تشوهات هيكلية.
التحليل التحريري الخاص:
لقد اعتدنا على قراءة عناوين براقة عن انخفاض أسعار النفط، ثم ننتظر أن ينعكس ذلك على حياتنا اليومية، فلا نرى شيئاً. هذه المرة ليست مختلفة. اتفاق هرمز، مهما كان مهماً، يظل قشة يتشبث بها من يريدون إيهام الناس بأن الأزمة ستنتهي. لكن الحقيقة أن غلاء المعيشة ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو خلل بنيوي في الاقتصاد العالمي، تفاقم بفعل الحروب والأوبئة وسوء الإدارة.
المشكلة أن الحكومات ووسائل الإعلام غالباً ما تركز على المؤشرات الكلية، كسعر النفط ومعدلات التضخم، وتتناسى أن المواطن لا يعيش بالأرقام المجردة. هو يعيش بسعر رغيف الخبز، وكيلو السكر، وفاتورة الكهرباء. وعندما تظل هذه الأسعار مرتفعة رغم تراجع المدخلات، فهذا يعني أن هناك من يسرق من جيوب الناس.
التجار والموزعون ليسوا جمعيات خيرية، بل يبحثون عن الربح. وفي غياب رقابة حقيقية، يرفعون الأسعار عند أول فرصة، ويخفضونها ببطء شديد عند انخفاض التكاليف. هذه الظاهرة، التي تُعرف باسم "الجمود السعري"، تحتاج إلى تدخل حكومي صارم، وليس إلى خطابات تطمينية.
الرأي الجريء هنا: لا تنتظروا انخفاض النفط ليخفض غلاء المعيشة. افرضوا تسعيراً عادلاً، شجعوا الجمعيات التعاونية، ادعموا الزراعة المحلية، وافتحوا الأسواق أمام المنافسة الحقيقية. هذا هو الطريق الوحيد لانفراجة حقيقية. أما الباقي فهو مجرد غبار في العيون.
في النهاية، أزمة هرمز كانت اختباراً للاقتصاد العالمي، أثبت فيه أنه هش. لكن الأزمة الحقيقية هي أن ملايين البشر يكافحون يومياً لسد رمقهم، بينما تتصدر عناوين الأخبار صفقات النفط ومؤشرات البورصة. هذا هو التناقض الذي يجب أن نفضحه، وهذا هو دور الصحافة الحقيقية: أن تذكر من نسوا.