خاص - كوانتم كم مرة سمعت وعداً بأن تراجع النفط سينعكس على جيبك؟ ها هي أسعار الخام تهوي بعد تهدئة مضيق هرمز، لكن رغيف الخبز وعلبة الحليب ما زالتا في السماء. لماذا؟ لأن السوق ليس آلة بسيطة، بل شبكة من المصالح والهوامش التي تبتلع أي انخفاض. قبل أسابيع، كان العالم على صفيح ساخن. إغلاق هرمز رفع النفط إلى 120 دولاراً. ثم جاء الاتفاق، وهبط الخام إلى 85 دولاراً. لكن في محلات البقالة، لم يتغير شيء. بل في بعض الدول، ارتفعت الأسعار. هل هذا منطقي؟ كلا، لكنه واقع الاقتصاد السياسي. خذ مثالاً: تكلفة الشحن. انخفضت أسعار الوقود، لكن شركات النقل لم تخفض أجورها. لماذا؟ لأنها استثمرت الأرباح الإضافية في أساطيل جديدة، وتحتاج إلى إبقاء الهوامش مرتفعة. نفس القصة مع الموزعين وتجار التجزئة. كل حلقة في السلسلة تمسك بهامشها وكأنه حق إلهي. ثم هناك المضاربة. أسواق السلع الأساسية تحكمها عقود آجلة. التجار يشترون القمح والذرة قبل حصادها بأسعار مرتفعة، وعندما ينخفض النفط، لا يبيعون بخسارة. ينتظرون. وكلما طال الانتظار، زادت تكاليف التخزين، فترتفع الأسعار أكثر. الدول النامية هي الضحية الأكبر. عملاتها تنهار أمام الدولار، ومعظم تجارتها مقومة بالعملة الخضراء. حتى لو انخفض النفط، فالدولار الأقوى يلتهم الفارق. مصر وتركيا وباكستان تشهد هذا يومياً. لكن هناك أمل. الحكومات بدأت تتحرك. بعضها خفض الضرائب على الوقود، والبعض الآخر فتح مخازن استراتيجية. لكن الحل الحقيقي هو كسر هيمنة الوسطاء. إنشاء شركات وطنية للاستيراد والتوزيع. هذا ما فعلته سنغافورة ودول الخليج، ونجحت. المستهلك العادي ليس عاجزاً. هناك حركات تعاونية للشراء المباشر من المنتجين. هناك تطبيقات تقارن الأسعار. لكن الأهم هو الوعي: لا تنتظر أن يشفق السوق عليك. السوق لا يشفق على أحد. الدرس القاسي: تراجع النفط ليس نعمة تلقائية. هو فرصة، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية وإصلاح هيكلي. وإلا، سنظل ندفع ثمن أزمات لا ناقة لنا فيها ولا جمل.
تراجع النفط لا يخفض غلاء المعيشة – هكذا يخدعك السوق

رغم تراجع أسعار النفط بعد تهدئة أزمة هرمز، إلا أن أسعار السلع الأساسية لا تزال مرتفعة. تحليل يكشف الآليات الخفية التي تمنع انخفاض تكاليف المعيشة رغم انخفاض الطاقة.
هذه المرة، لن أصطف مع المتفائلين. تراجع النفط خبر جيد، لكنه ليس كافياً. لأن المشكلة ليست في سعر البرميل، بل في هيكل الاقتصاد العالمي الذي يجعل المستهلك آخر من يستفيد.
دعني أكون صريحاً: النفط الرخيص قد يكون نعمة ملعونة. لماذا؟ لأنه يخدر الحكومات. عندما تنخفض تكاليف الطاقة، تتراخى الإصلاحات. تظل الدعم قائماً، وتظل المؤسسات فاسدة. ثم عندما يعود النفط للارتفاع، نكون في أسوأ وضع.
التاريخ يعيد نفسه. في 2014، انهار النفط من 100 دولار إلى 30 دولاراً. هل انخفض غلاء المعيشة؟ كلا. في الحقيقة، ارتفعت أسعار الغذاء في أفريقيا وآسيا. لأن المزارعين الذين اعتمدوا على النفط الرخيص لري المحاصيل وجدوا أنفسهم في مواجهة انهيار أسعار محاصيلهم، فقلصوا الإنتاج.
النقطة الجوهرية: الاقتصاد ليس لعبة محصلتها صفر. انخفاض سعر مدخل لا يعني تلقائياً انخفاض المنتج النهائي. هناك تكاليف أخرى: الأجور، الإيجارات، الضرائب. كلها مرتفعة ولا تتأثر بالنفط.
أكثر ما يغيظني هو الخطاب الإعلامي السائد. كلما هبط النفط، تظهر التحليلات المبشرة بانفراجة. لكن الحقيقة أن غلاء المعيشة مرض مزمن، وليس نزلة برد تزول مع جرعة نفط رخيص. علاجه يتطلب جراحة: إعادة هيكلة الدعم، كسر الاحتكارات، رفع كفاءة الإنتاج.
وفي النهاية، المستهلك ليس أداة. هو إنسان يستحق أن يفهم لماذا يدفع أكثر مما ينبغي. الصحافة الحقيقية هي التي تقول له الحقيقة، لا التي تغازله بالأوهام.
لهذا، أقول: لا تفرحوا كثيراً بانخفاض النفط. فربما يكون فرحة زائفة، تسبق صدمة أكبر.