صحة

بلاستيك الحياة اليومية يزرع القلق المزمن: دراسة تكشف خطراً خفياً يمتد من المهد إلى الكهولة

ستاف كوانتم·فريق التحرير١٧ يونيو ٢٠٢٦ في ١١:٤٦ ص5 دقائق قراءة
بلاستيك الحياة اليومية يزرع القلق المزمن: دراسة تكشف خطراً خفياً يمتد من المهد إلى الكهولة

كشفت دراسة جديدة أن التعرض لمادة كيميائية شائعة في البلاستيك، قبل الولادة وبعدها مباشرة، قد يسبب اضطرابات قلق دائمة. ربط الباحثون مادة DEHP المستخدمة في الأجهزة الطبية والألعاب بسلوكيات قلق واضحة لدى الفئران الذكور حتى بعد انتهاء التعرض، مما يثير تساؤلات حول تأثيرها على صحة الإنسان النفسية.

في زمن يغرق فيه العالم بالبلاستيك، من زجاجات المياه إلى أدوات المطبخ، تلوح في الأفق مخاطر صحية جديدة تتجاوز التسمم المباشر أو السرطان. دراسة حديثة نشرتها دورية علمية محكمة تشير إلى أن مادة كيميائية شائعة تدخل في تركيب البلاستيك اللين، وتحديداً ثنائي إيثيل هكسيل الفثالات أو DEHP، قد تترك بصماتها على الدماغ النامي وتؤدي إلى قلق مزمن يستمر مدى الحياة. أجرى فريق من الباحثين تجارب على فئران مختبرية، حيث عرضوا ذكور الفئران لجرعات منخفضة من DEHP خلال فترة ما قبل الولادة وبعدها مباشرة، وهي الفترة الحرجة لتطور الجهاز العصبي. وبعد بلوغ الفئران سن الرشد، لاحظ العلماء أن تلك التي تعرضت للمادة أظهرت سلوكيات قلق واضحة مقارنة بمجموعة ضابطة. كانت الفئران المتأثرة أكثر تردداً في استكشاف المساحات المفتوحة، وقضت وقتاً أطول في التجمد في مكانها، وهي علامات كلاسيكية على القلق في القوارض. ما يثير القلق هو أن هذه التأثيرات ظهرت حتى بعد توقف التعرض للمادة بفترة طويلة، مما يشير إلى أن الضرر يحدث أثناء مراحل النمو المبكرة ويستمر دون الحاجة إلى استمرار التعرض. ويعني هذا أن الأطفال الذين يتعرضون للفثالات عبر المشيمة أو حليب الأم أو البيئة المحيطة قد يكونون عرضة لخطر متزايد للإصابة باضطرابات القلق في مراحل لاحقة من حياتهم. تستخدم مادة DEHP على نطاق واسع في صناعة البلاستيك اللين مثل الأنابيب الطبية، وأكياس الدم، والألعاب، وحتى مواد التغليف الغذائي. وتشير تقديرات إلى أن البشر يتعرضون لها يومياً عبر الطعام والغبار وحتى الهواء. ورغم أن بعض الدول فرضت قيوداً على استخدامها، إلا أنها لا تزال موجودة في العديد من المنتجات حول العالم. الدراسة الجديدة تضيف إلى الأدلة المتراكمة على أن الفثالات، وهي مجموعة من المواد الكيميائية المستخدمة لتليين البلاستيك، يمكن أن تعطل النظام الهرموني وتؤثر على النمو العصبي. وقد ربطت أبحاث سابقة هذه المواد بمشاكل في الخصوبة، واضطرابات هرمونية، وحتى السمنة. لكن الربط المباشر بينها وبين القلق المزمن يعد خطوة جديدة ومهمة في فهم تأثيراتها طويلة المدى. ويحذر الباحثون من أن نتائجهم، رغم أنها مستمدة من نماذج حيوانية، تقدم دليلاً قوياً على أن التعرض المبكر لهذه المادة يمكن أن يعيد برمجة مسارات الدماغ المرتبطة بالقلق. ويخطط الفريق الآن لدراسة إذا ما كانت التأثيرات نفسها تنطبق على الإناث، وكذلك البحث في آليات جزيئية محددة قد تفسر هذه التغيرات السلوكية. بالنسبة للآباء والأمهات، تقدم هذه النتائج سبباً إضافياً لتقليل تعرض أطفالهم للمواد الكيميائية في البلاستيك. توصي الجهات الصحية باستخدام عبوات زجاجية أو خالية من الفثالات كلما أمكن، وتجنب تسخين الأطعمة في أوعية بلاستيكية، واختيار الألعاب المصنوعة من مواد طبيعية. على المستوى العالمي، تطالب جماعات حماية البيئة والصحة العامة بتشديد القيود على استخدام الفثالات، ودعوة الحكومات إلى تبني معايير أكثر صرامة تضمن سلامة المنتجات الاستهلاكية. وتشير التقديرات إلى أن تكلفة التخلص التدريجي من هذه المواد قد تكون مرتفعة في البداية، لكنها قد توفر مبالغ طائلة على أنظمة الرعاية الصحية في المستقبل. في النهاية، تذكرنا هذه الدراسة بأن المواد التي نعتبرها آمنة في حياتنا اليومية قد تحمل مخاطر خفية، وأن تأثيراتها قد لا تظهر إلا بعد عقود. ومع تزايد الوعي بمخاطر البلاستيك، يبدو أن الطريق نحو بدائل أكثر أماناً أصبح أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

رأي ستاف كوانتم

التحليل التحريري:

تأتي هذه الدراسة في سياق تاريخي طويل من الاكتشافات المقلقة حول المواد الكيميائية التي نتعرض لها يومياً. منذ خمسينيات القرن الماضي، عندما بدأ البلاستيك يغزو حياتنا، كانت الرسالة السائدة هي أنه آمن ورخيص ومريح. لكن مع مرور العقود، بدأت الحقائق تتكشف: من ثنائي الفينول أ (BPA) إلى الفثالات، أصبح من الواضح أن هذه المواد ليست مجرد مكونات خاملة، بل هي مواد فعالة هرمونياً يمكنها التسلل إلى أجسامنا وتغيير مسارات التطور الطبيعي.

ما يميز هذه الدراسة هو تركيزها على التأثيرات السلوكية طويلة المدى، وتحديداً القلق. في عصر يعاني فيه الملايين من اضطرابات القلق، وتتصاعد معدلاتها بين الشباب والمراهقين بشكل خاص، يصبح الربط بين التعرض الكيميائي المبكر وهذه الاضطرابات أمراً بالغ الأهمية. فإذا كانت جذور القلق تمتد إلى البيئة الكيميائية التي أحاطت بنا في الرحم والطفولة المبكرة، فإن ذلك يغير فهمنا لأسباب هذه الاضطرابات ويفتح آفاقاً جديدة للوقاية.

من الناحية الاقتصادية، تمثل صناعة البلاستيك قطاعاً ضخماً تبلغ قيمته تريليونات الدولارات، وتوظف ملايين العمال حول العالم. أي تحرك نحو تقييد استخدام الفثالات سيواجه مقاومة شرسة من المصنعين الذين يعتبرونها ضرورية لمرونة المنتجات ومتانتها. لكن الحسابات الاقتصادية يجب أن تشمل التكاليف الصحية الخفية: تكاليف علاج اضطرابات القلق، وفقدان الإنتاجية، وتأثيرها على نوعية الحياة. تقديرات منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن اضطرابات الصحة النفسية تكلف الاقتصاد العالمي تريليون دولار سنوياً، ومن المحتمل أن تكون المواد الكيميائية البيئية مساهماً كبيراً في هذه الفاتورة.

على الصعيد السياسي، تعكس القضية صراعاً أوسع بين الصحة العامة ومصالح الصناعة. ففي الولايات المتحدة وأوروبا، توجد تشريعات مثل REACH في الاتحاد الأوروبي التي تنظم استخدام الفثالات، لكن التنفيذ غالباً ما يكون بطيئاً ويواجه ثغرات. وفي العالم العربي، حيث القوانين البيئية أضعف والرقابة أقل، قد يكون التعرض لهذه المواد أعلى، مما يجعل السكان أكثر عرضة للمخاطر.

إقليمياً، نلاحظ أن بعض الدول الخليجية بدأت تتحرك نحو تقليل الاعتماد على البلاستيك الأحادي الاستخدام، لكن الجهود لا تزال محدودة. ومن المهم أن تتبنى الحكومات العربية سياسات وقائية، مثل منع استخدام الفثالات في منتجات الأطفال والأجهزة الطبية، وتعزيز البحث العلمي المحلي حول تأثيرات هذه المواد على الصحة.

على الصعيد المستقبلي، من المتوقع أن تزداد الأدلة على ضرر الفثالات، مما سيضغط على الحكومات والشركات لتطوير بدائل آمنة. بعض البدائل موجودة بالفعل، مثل الفثالات عالية الوزن الجزيئي التي تعتبر أقل خطورة، لكنها أغلى ثمناً. كما أن التوجه نحو البلاستيك الحيوي والمواد الطبيعية مثل السيليكون الطبي قد يقدم حلاً على المدى البعيد.

لكن التحدي الأكبر يكمن في سرعة التغيير. فالعلم يتقدم بسرعة، لكن التشريعات تحتاج إلى سنوات لتواكبه، وتغيير سلوك المستهلكين يحتاج إلى حملات توعية مكثفة. وفي الأثناء، يستمر التعرض الجماعي لهذه المواد، مما يعني أن أجيالاً كاملة قد تدفع ثمن هذا التأخير.

في الختام، هذه الدراسة ليست مجرد تحذير صحي، بل هي دعوة لإعادة تقييم علاقتنا بالبلاستيك. لقد أصبح البلاستيك جزءاً لا يتجزأ من حياتنا، لكن ثمن هذه الراحة قد يكون باهظاً إذا لم نتحرك الآن لحماية الأجيال القادمة من أضراره الخفية.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من صحة

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →