سياسة

بعد انقسام حاد: زعماء أوروبا يتوددون لترمب في قمة مجموعة السبع

ستاف كوانتم·فريق التحرير١٧ يونيو ٢٠٢٦ في ١٢:٢٦ ص5 دقائق قراءة
بعد انقسام حاد: زعماء أوروبا يتوددون لترمب في قمة مجموعة السبع

في تناقض واضح مع مواقفهم السابقة، عاد زعماء أوروبيون إلى التودد للرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال قمة مجموعة السبع في إيفيان-ليه-بان بفرنسا، بعد انقسام حاد حول التجارة والمناخ. القمة شهدت محاولات أوروبية لإنقاذ العلاقات عبر إظهار التعاون، وسط مخاوف من استمرار سياسات ترمب الانعزالية.

بعد أشهر من التوتر والانقسام الحاد حول قضايا التجارة والمناخ والسياسة الخارجية، شهدت قمة مجموعة السبع المنعقدة في إيفيان-ليه-بان بفرنسا تحولاً لافتاً في سلوك الزعماء الأوروبيين تجاه الرئيس الأميركي دونالد ترمب. فبينما كان التصعيد اللفظي والمواقف المتصلبة سمة العلاقات عبر الأطلسي في الفترة الأخيرة، ظهر زعماء أوروبيون وهم يبتسمون ويتصافحون مع ترمب، محاولين إعادة الدفء إلى العلاقات التي تهددها سياسات "أميركا أولاً". القمة التي جمعت قادة الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، كندا، واليابان، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي، كانت محوراً لجهود أوروبية مكثفة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الشراكة التاريخية. فبعد أن هدد ترمب بفرض رسوم جمركية على واردات الصلب والألمنيوم الأوروبية، وانسحب من الاتفاق النووي الإيراني واتفاق باريس للمناخ، وجد الأوروبيون أنفسهم في موقف صعب بين الحاجة إلى الحفاظ على العلاقات مع واشنطن والدفاع عن مصالحهم. اللافت في القمة أن الزعماء الأوروبيين، وعلى رأسهم المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حرصوا على إظهار روح التعاون مع ترمب، رغم انتقاداتهم العلنية لسياساته في السابق. وبدا أن الأولوية لديهم هي تجنب انهيار كامل في العلاقات، خاصة في ظل التحديات العالمية المشتركة مثل الأمن في الشرق الأوسط والتهديدات الإيرانية والكورية الشمالية. في المقابل، بدا ترمب أكثر ميلاً للاستماع إلى حلفائه، وإن كان دون تقديم تنازلات كبيرة. فقد أشار إلى إمكانية إعادة النظر في الرسوم الجمركية إذا التزمت أوروبا بزيادة مشترياتها من السلع الأميركية، كما أبدى انفتاحاً على مناقشة قضايا المناخ ضمن إطار اقتصادي. لكن المحللين يرون أن هذه اللفتات قد لا تكون كافية لردم الهوة العميقة بين الطرفين. الاجتماعات الثنائية على هامش القمة كانت أكثر وضوحاً في كشف التباين بين الخطاب العام والمواقف الخاصة. فبينما التقطت الكاميرات لحظات ودية بين ترمب وماكرون، تسربت تقارير عن جلسات مغلقة شهدت نقاشات حادة حول التجارة وتمويل حلف شمال الأطلسي. على الصعيد الاقتصادي، يدرك الأوروبيون أن أي تصعيد مع واشنطن قد يكلفهم مليارات الدولارات، خاصة في قطاعات السيارات والصناعات الثقيلة. لذلك، تبدو استراتيجيتهم الحالية قائمة على الاحتواء التدريجي، مع انتظار تغيير في الإدارة الأميركية قد يحدث بعد انتخابات 2020. لكن هذا الرهان محفوف بالمخاطر، إذ قد يدفع ترمب إلى مزيد من الإجراءات الأحادية إذا شعر بأن الأوروبيين يتساهلون. من جهة أخرى، لعبت فرنسا دور الوسيط بين الطرفين، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع واشنطن وبرلين. فقد سعى ماكرون إلى تقديم نفسه كجسر بين أوروبا وترمب، محاولاً تحقيق مكاسب محدودة على الأقل، مثل تجنب حرب تجارية شاملة. في الختام، تبقى العلاقات عبر الأطلسي في حالة من عدم اليقين، حيث يتنقل الزعماء الأوروبيون بين ضرورة الحفاظ على التحالف التقليدي ومتطلبات الدفاع عن مصالحهم. قمة إيفيان قد تكون مجرد استراحة قصيرة في مسار التصعيد، لكنها أظهرت أن الأوروبيين مستعدون لتقديم تنازلات مؤقتة للحفاظ على الحد الأدنى من التعاون.

رأي ستاف كوانتم

تحليل: التودد الأوروبي لترمب بين الضرورة والمخاطرة

لم يكن المشهد الذي جمع الزعماء الأوروبيين بالرئيس الأميركي دونالد ترمب في قمة إيفيان مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل هو انعكاس لتحول استراتيجي في العلاقات عبر الأطلسي. فبعد سنوات من التوتر والتصعيد، يبدو أن الأوروبيين اختاروا نهجاً جديداً قائماً على التودد والمرونة، بدلاً من المواجهة المباشرة. لكن هذا النهج يحمل في طياته مخاطر كبيرة قد تؤثر على مستقبل الاتحاد الأوروبي نفسه.

من الناحية التاريخية، كانت العلاقات الأوروبية الأميركية تقوم على أسس متينة من الثقة والمصالح المشتركة منذ الحرب العالمية الثانية. لكن مع وصول ترمب إلى السلطة، تغيرت المعادلة تماماً، حيث أصبحت السياسة الخارجية الأميركية أكثر انعزالية وأقل التزاماً بالتعددية. هذا التحول وضع الأوروبيين في موقف صعب، إذ لم يعودوا قادرين على الاعتماد على الحماية الأميركية كما في السابق.

اقتصادياً، تعتبر أوروبا واحدة من أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، حيث يبلغ حجم التبادل التجاري بينهما أكثر من تريليون دولار سنوياً. أي حرب تجارية شاملة قد تكلف الجانبين خسائر فادحة، لكن الأوروبيين سيكونون الأكثر تضرراً نسبياً بسبب اعتمادهم على الصادرات إلى السوق الأميركية. لذلك، فإن محاولة تهدئة ترمب عبر تقديم تنازلات في مجالات مثل شراء الغاز الطبيعي المسال أو زيادة الإنفاق الدفاعي في حلف الناتو، تبدو خطوة دفاعية ذكية على المدى القصير.

سياسياً، هناك بعد آخر يتعلق بالوحدة الأوروبية. فبينما تسعى فرنسا وألمانيا إلى الحفاظ على تماسك الاتحاد في وجه التحديات الخارجية، فإن التودد لترمب قد يثير انقسامات داخلية بين الدول الأعضاء. فبعض الدول مثل بولندا والمجر تميل إلى ترمب، بينما دول أخرى مثل هولندا والدنمارك أكثر تشدداً. هذا التباين قد يضعف الموقف التفاوضي الأوروبي.

إقليمياً، تتركز المخاوف الأوروبية على ملفات الشرق الأوسط وأمن الطاقة. فسحب ترمب من الاتفاق النووي الإيراني وإعادة فرض العقوبات، خلق أزمة لأوروبا التي تسعى للحفاظ على التبادل التجاري مع طهران. كذلك، فإن سياسة ترمب تجاه روسيا وأوكرانيا تضع الأوروبيين في موقف حساس.

على الصعيد العالمي، يمثل تودد الأوروبيين لترمب رسالة سلبية للدول الأخرى التي تعول على التعددية. فإذا كانت القوى الديمقراطية الكبرى مثل الاتحاد الأوروبي تتراجع أمام الضغوط الأميركية، فإن ذلك يشجع دولاً مثل الصين وروسيا على تعزيز نفوذها.

التوقعات المستقبلية تشير إلى أن هذا النهج قد يستمر حتى انتخابات 2020 الرئاسية الأميركية. فإذا فاز ترمب بولاية ثانية، قد يضطر الأوروبيون إلى إعادة تقييم استراتيجيتهم بالكامل، والتفكير في بناء تحالفات بديلة مع آسيا وأفريقيا. أما إذا خسر، فإن العلاقات قد تعود إلى طبيعتها بسرعة، لكن ندوب الانقسام ستبقى.

في الختام، يبدو أن التودد الأوروبي لترمب هو مجرد حل مؤقت، وليس استراتيجية طويلة الأمد. فالأوروبيون يدركون أن الاعتماد على حسن نية ترمب غير مضمون، وأن عليهم تعزيز استقلاليتهم الاستراتيجية في مجالات الدفاع والطاقة والتجارة. لكن في الوقت الحالي، لا بديل عن إظهار الود، حتى لو كان مصطنعاً.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من سياسة

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →