اقتصاد

بريطانيا تحت المجهر: التضخم يثبت عند 2.8% في مايو.. هدوء ما قبل العاصفة؟

ستاف كوانتم·فريق التحرير١٧ يونيو ٢٠٢٦ في ٠٦:٣٨ ص4 دقائق قراءة
بريطانيا تحت المجهر: التضخم يثبت عند 2.8% في مايو.. هدوء ما قبل العاصفة؟

استقر التضخم في المملكة المتحدة عند 2.8% في مايو، متحدياً التوقعات التي رجحت ارتفاعه إلى 3%. لكن هذا الثبات مؤقت، إذ يلوح في الأفق ارتفاع مرتقب في أسعار الطاقة بنسبة 13% مع نهاية الصيف، مما يضع البنك المركزي أمام معضلة سياسية نقدية معقدة.

في تطور لافت للنظر، أعلن مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني عن استقرار معدل التضخم السنوي عند 2.8% خلال شهر مايو، وهو ما جاء أقل من التوقعات التي كانت تشير إلى ارتفاع النسبة إلى 3%. هذا الثبات النسبي يأتي بعد أن كان التضخم قد انخفض إلى نفس المستوى في أبريل، وذلك بفضل التعديل الذي أُدخل على سقف أسعار الطاقة المنظمة، وهو إجراء كان من المتوقع أن يكون مؤقت الأثر. غير أن القراءة المتأنية للأرقام تكشف عن صورة أكثر تعقيداً. فقد كان قطاع النقل المحرك الرئيسي لارتفاع الأسعار في مايو، حيث قفزت أسعار تذاكر الطيران بنسبة 10.3% مقارنة بالشهر السابق، كما ارتفعت أسعار الوقود البحري والبنزين. وأرجعت المصادر الإحصائية هذا الارتفاع جزئياً إلى توقيت عيد الفصح الذي صادف أبريل، مما أثر على أنماط السفر والطلب. في المقابل، سجلت أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية انخفاضاً طفيفاً، مما ساهم في تعويض جزء من الزيادة في قطاع النقل. لكن هذا الانخفاض يبدو هشاً في ظل الضغوط العالمية على سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الإنتاج. الأكثر إثارة للقلق هو ما يخبئه المستقبل القريب. فمن المقرر أن يرتفع سقف أسعار الطاقة المنظمة بنسبة 13% في وقت لاحق من هذا الصيف، وهو ما سيدفع بأسعار الطاقة إلى أعلى مستوياتها منذ عامين. هذا الارتفاع المرتقب يهدد بإعادة إشعال فتيل التضخم، خاصة وأن أسعار البنزين قد بلغت بالفعل أعلى مستوى لها منذ نوفمبر 2022، أي منذ ذروة أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية. وفي هذا السياق، يبقى البنك المركزي البريطاني في موقف حرج. فقد صوتت لجنة السياسة النقدية في اجتماعها الأخير على تثبيت سعر الفائدة الرئيسي عند 3.75%، مؤكدة أن السياسة النقدية لا يمكنها التأثير على أسعار الطاقة، في إشارة إلى تأثير التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج وإغلاق مضيق هرمز الذي أبقی أسعار النفط والغاز مرتفعة لأشهر. وتشير توقعات الأسواق إلى احتمال بنسبة 95% أن يبقي البنك المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه المقبل. لكن المتعاملين يراهنون على أن البنك سيضطر في النهاية إلى رفع الفائدة قبل نهاية العام الحالي، في محاولة لكبح جماح التضخم المتوقع. هذا الوضع يضع الاقتصاد البريطاني على مفترق طرق. فمن ناحية، يؤدي تثبيت الفائدة إلى دعم النشاط الاقتصادي وتخفيف أعباء الديون على الأسر والشركات. ومن ناحية أخرى، يخاطر بتأجيج التضخم إذا ما استمرت أسعار الطاقة في الارتفاع. كما أن التباطؤ الاقتصادي العالمي وارتفاع أسعار الفائدة في الاقتصادات الكبرى الأخرى يضغطان على الجنيه الإسترليني، مما يزيد من تكاليف الواردات. يبقى السؤال المحوري: هل تستطيع بريطانيا تجنب دوامة تضخمية جديدة؟ الإجابة تعتمد على عدة عوامل، منها تطور أسعار الطاقة العالمية، وسياسات البنك المركزي، وقدرة الاقتصاد على التكيف مع الصدمات الخارجية. ما هو مؤكد أن الأشهر القادمة ستكون حاسمة في تحديد مسار التضخم والنمو الاقتصادي في المملكة المتحدة.

رأي ستاف كوانتم

قراءة نقدية: بين ثبات التضخم ورياح الطاقة العاتية

يبدو ثبات التضخم البريطاني عند 2.8% وكأنه انتصار مؤقت في معركة طويلة الأمد، لكنه في الحقيقة يعكس حالة من الجمود الحذر أكثر من كونه دليلاً على استقرار الأسعار. فالتضخم الحالي هو نتاج عوامل مؤقتة، أبرزها انخفاض أسعار الطاقة المنظمة في أبريل، والذي كان بمثابة مسكن للألم وليس علاجاً للجذور.

من الناحية التاريخية، تعاني بريطانيا من تضخم مزمن منذ جائحة كورونا، تفاقم بسبب الحرب في أوكرانيا وأزمة الطاقة. وقد لجأ البنك المركزي إلى سلسلة من رفع الفائدة بلغت ذروتها عند 5.25%، لكنه اضطر إلى التوقف بسبب مخاوف الركود. الآن، مع عودة أسعار الطاقة للارتفاع، يجد البنك نفسه في مأزق: إما كبح التضخم برفع الفائدة والمخاطرة بالركود، أو الإبقاء على الفائدة منخفضة والمخاطرة بتضخم جامح.

الأبعاد الاقتصادية: قطاع النقل هو الحلقة الأضعف. ارتفاع أسعار تذاكر الطيران والوقود يعكس ضعف البنية التحتية للطاقة في بريطانيا واعتمادها على الواردات. كما أن تزامن هذا الارتفاع مع موسم العطلات يزيد العبء على الأسر ذات الدخل المحدود، مما يهدد الاستهلاك الخاص الذي يشكل محركاً رئيسياً للنمو.

أما البعد الإقليمي، فيتجلى في تأثير التوترات في الشرق الأوسط على أسعار الطاقة العالمية. إغلاق مضيق هرمز، ولو جزئياً، يرفع تكاليف الشحن والتأمين، وينعكس مباشرة على الأسعار في بريطانيا. هذا يذكرنا بهشاشة سلاسل الإمداد العالمية وضرورة تنويع مصادر الطاقة.

التوقعات المستقبلية: من المرجح أن يرتفع التضخم مجدداً في الربع الثالث من العام، متجاوزاً 3%، مما سيدفع البنك المركزي إلى رفع الفائدة مرة واحدة على الأقل قبل نهاية العام. لكن السيناريو الأسوأ هو أن يتحول ارتفاع الطاقة إلى تضخم شامل، حيث تبدأ الشركات في تمرير الزيادات إلى المستهلكين في قطاعات أخرى. في هذه الحالة، قد نرى تضخماً راكداً (stagflation) يذكرنا بسبعينيات القرن الماضي.

أسئلة جوهرية: هل ستستمر الحكومة في دعم الأسر عبر الإعانات؟ أم أن الأولوية ستكون لخفض الدين العام؟ وهل يمكن للاستثمار في الطاقة المتجددة أن يخفف من وطأة الصدمات المستقبلية؟ الإجابات ليست سهلة، لكنها تحدد مصير الاقتصاد البريطاني في السنوات القادمة.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من اقتصاد

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →