ثقافة وفن

بروس ناومان: حين يصبح العدم فعلًا إبداعيًا – قراءة في فلسفة الفن الخام

ستاف كوانتم·فريق التحرير١٧ يونيو ٢٠٢٦ في ١٢:٥٨ م6 دقائق قراءة
بروس ناومان: حين يصبح العدم فعلًا إبداعيًا – قراءة في فلسفة الفن الخام

الفنان الأمريكي بروس ناومان يقدم أعمالًا جديدة تعتمد على تمارين جسدية وعقلية مرتجلة، كاشفًا عن هشاشة العملية الإبداعية. هذا النهج يتحدى المفاهيم التقليدية للفن، داعيًا المشاهد إلى مواجهة الذات في أقصى حالات العري الفني.

في عالم يزدحم بالصور المصقولة والخطوط النظيفة، يطل علينا بروس ناومان بأعماله الجديدة التي تشبه خربشات الروح قبل أن تلبس ثوب الجمالية. فنان أمريكي تجاوز الثمانين، لكنه لا يزال يمارس طقوس الإبداع كما لو كانت تمارين يومية للنجاة: سقوط حر على الورق، أو قفزات عبثية أمام الكاميرا، أو همس متقطع لا يكاد يُسمع. لا جمال هنا بالمعنى المألوف، بل جمالية الخام، والحقيقي، والمؤلم. ناومان، الذي اشتهر بأعماله النحتية والتركيبية منذ ستينيات القرن الماضي، يعود في أحدث فيديوهاته ورسوماته إلى جذور الفن كفعل جسدي أكثر منه عقلي. هو لا يخطط، لا يصمم، بل يضع نفسه في موقف يشبه المختبر: جسده هو الأداة، واستوديوه هو المسرح، والفكرة تولد من الحركة، لا العكس. هذه المقاربة ليست جديدة في مسيرته، لكنها تكتسب عمقًا جديدًا مع تقدم العمر، حيث تتحول الهشاشة الجسدية إلى مادة خصبة للتأمل. الأعمال المعروضة تتراوح بين فيديوهات قصيرة تظهر الفنان وهو يؤدي حركات متكررة، مثل القفز أو الدوران، ورسومات بالحبر تبدو كأنها خطوط عصبية مرسومة بيد ترتعش. لا سردية واضحة، لا رمزية سهلة، فقط حضور خام للحظة الإبداع. في فيديو بعنوان "لا تحاول"، ناومان يجلس أمام كاميرا ثابتة، يحاول النهوض من كرسي ثم يجلس مجددًا، في دورة لا تنتهي. الحركة نفسها تتحول إلى استعارة عن عبثية المحاولة، أو ربما عن جمالية العجز. هذه الأعمال ليست مجرد تجارب شكلية، بل هي بيان فني مضاد للثقافة البصرية السائدة التي تخلع على الفن ثوب الكمال. ناومان يختار العري الفني، غير آبه بالنظرة النقدية. رسوماته تبدو كأنها مرسومة بعصبية واندفاع، بدون تردد أو مراجعة. هو يعتمد على ما يسميه "الحركات العقلية"، وهي حالة من التدفق حيث يصبح الجسد ممتدًا للعقل، واللاشعور هو القائد. النقاد يرون في هذه الأعمال امتدادًا لاهتمام ناومان الطويل بالظواهر الفيزيائية والنفسية للجسد في الفضاء. منذ أعماله الأولى مثل "نافورة ذاتية" (1966) التي صورته وهو يسكب الماء على وجهه، إلى "خريطة انهيار الجسد" (1967) التي تتبع حركاته في الاستوديو، ظل الجسد هو الموضوع الأساسي. لكن ما يميز الأعمال الجديدة هو عودة إلى البساطة الأولى، كأن ناومان يريد تفكيك كل ما بناه من تقنيات وأساليب، ليصل إلى اللحظة الصفرية للإبداع. في إحدى المقابلات النادرة، قال ناومان: "الفن هو ما يحدث عندما تتوقف عن المحاولة". هذه العبارة تختصر فلسفته: الإبداع ليس نتاج جهد واعي، بل هو كشف عن حالة وجودية. الرسام لا يختار الخط، بل الخط يختاره. الراقص لا يخطط للحركة، بل الحركة تخطط له. هذا المفهوم يضع ناومان في مواجهة مع تيارات فنية معاصرة تبالغ في التركيز على المفهوم والنظرية، حيث يصبح العمل الفني بيانًا فلسفيًا أكثر منه تجربة حسية. لكن هل يمكن للجمهور العادي أن يتفاعل مع هذه الأعمال؟ الإجابة ليست بسيطة. ناومان لا يقدم متعة بصرية سهلة، بل يطلب من المشاهد أن يشاركه في عملية الاكتشاف. فعند مشاهدة فيديو "لا تحاول"، لا يتعلق الأمر بجمالية الحركة، بل بالإيقاع الداخلي للجهد والفشل، وبالعلاقة بين النية والنتيجة. إنه فن يتطلب صبرًا وتأملًا، وهو ما يجعله نخبويًا بالضرورة، لكنه في الوقت نفسه يُعلي من شأن التجربة الفردية. الرسومات الجديدة تحمل أيضًا بعدًا زمنيًا مثيرًا. ناومان، الذي عاش تجربة الوباء والعزلة، يبدو أنه استخدم هذه الفترة للغوص في أعماق نفسه. الخطوط المتشابكة في رسوماته تشبه خريطة ذهنية لحالة من القلق أو الترقب. هي ليست جميلة بالمعنى التقليدي، لكنها صادقة إلى درجة مؤلمة. هذا الصدق هو ما يميز فنانًا كبيرًا عن غيره: القدرة على كشف العورة الفنية دون خجل. في النهاية، أعمال ناومان الجديدة تذكرنا بأن الفن ليس دائمًا عن الإبهار، بل أحيانًا عن المواجهة. المواجهة مع الذات، مع حدود الجسد، مع هشاشة الفكرة. إنها دعوة للعودة إلى البداهة، إلى ما قبل الصياغة والتنظير. قد لا يرضي هذا النهج من يبحث عن الجمال السهل، لكنه يمنح من يتعمق فيه تجربة فريدة: رؤية فنان يخلع كل أقنعته، ويقف عاريًا أمام الكاميرا، ليترك لنا أن نقرر ما إذا كان هذا فنًا أم لا.

رأي ستاف كوانتم

بروس ناومان ليس مجرد فنان، بل هو فيلسوف الجسد في عصر العقلانية المفرطة. أعماله الجديدة، التي تبدو للوهلة الأولى مجرد تمارين عشوائية، تحمل في طياتها نقدًا لاذعًا لصناعة الفن المعاصر التي تحولت إلى سوق للمنتجات المصقولة. في زمن يموج فيه العالم بالصور الرقمية المعدلة والفن المفهومي الذي يحتاج إلى كتيب تعليمات لفهمه، يأتي ناومان ليذكرنا بأن الفن الأصيل هو ذلك الذي يخرج من أحشاء التجربة الإنسانية، وليس من رأس المنظر.

السياق التاريخي هنا ضروري. ناومان ينتمي إلى جيل الستينيات الذي ثار على النخبوية الفنية، وقدم الجسد اليومي كموضوع فني. لكن ما يفعله اليوم ليس مجرد إعادة إنتاج لتلك الثورة، بل هو تجاوز لها. في ذلك الوقت، كانت الأعمال تهدف إلى فضح زيف الفن المؤسساتي. أما اليوم، فناومان يوجه سهامه نحو ثقافة "البراند" الفني، حيث يصبح الفنان علامة تجارية تنتج أعمالًا متوقعة. هو يختار العكس: أعمال غير متوقعة، قبيحة أحيانًا، لكنها حقيقية.

من الناحية الاقتصادية، هذا النوع من الفن لا يحظى عادةً باهتمام السوق الضخم. ناومان ليس فنانًا تجاريًا، وأعماله ليست "قابلة للتعليق" في غرف المعيشة بسهولة. لكن هذا يمنحه حرية نادرة: أن ينتج ما يريد دون ضغوط السوق. في عالم الفن، هذه الحرية هي العملة الأغلى، لكنها أيضًا تهميشية. فالسوق يفضل الأعمال التي تثير الجدل بقدر محسوب، أو تلك التي تحمل جمالية تقليدية. ناومان يرفض كلا الخيارين.

أما الأبعاد السياسية، فتكمن في رفضه للخطاب الفني السائد. في عالم يعاني من الاستقطاب والأزمات، يقدم ناومان نموذجًا للفنان غير المنخرط مباشرة في السياسة، لكنه يمارس مقاومة عميقة عبر العودة إلى الذات. إنه يقول: قبل أن تغير العالم، واجه ذاتك. هذا الموقف قد يُقرأ على أنه انعزالي، لكنه في الحقيقة ثوري بطريقته الخاصة. ففي زمن الضوضاء، الصمت هو فعل سياسي.

إقليميًا، ناومان يمثل تيارًا في الفن الغربي يرفض السرديات الكبرى. لكن تأثيره يمتد إلى فنانين عرب معاصرين يبحثون عن جذورهم في الجسد والطقوس اليومية. أعماله تفتح بابًا للتفكير في كيفية تجاوز التبعية للغرب عبر العودة إلى التجربة الإنسانية المشتركة، بدلًا من استعارة أشكال جاهزة.

التوقعات المستقبلية: من المرجح أن تستمر أعمال ناومان في إثارة الجدل، خاصة مع تقدمه في العمر. قد نشهد تحولًا نحو أعمال أكثر تجريدًا وتأملًا، ربما بعيدًا عن الجسد المادي نحو الجسد المتخيل. كما أن تأثيره سينمو بين جيل جديد من الفنانين الذين سئموا من صيغ السوق، ويريدون العودة إلى جوهر الفن: التجربة. لكن السؤال يبقى: هل يمكن للفن الخام أن يجد جمهورًا في عالم يبحث عن الإثارة السريعة؟ الإجابة تعتمد على قدرتنا كمجتمع على التوقف والتأمل.

في النهاية، ناومان يذكرنا بأن الفن ليس ترفًا، بل هو ضرورة وجودية. أعماله هي مرآة لعصرنا: مشوشة، هشة، لكنها صادقة. ربما هذا هو كل ما يمكن أن نطلبه من الفن في زمن الأكاذيب.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من ثقافة وفن

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →