سياسة

باريس تُخرج الدبابة الإسرائيلية من معرض الأسلحة: رسالة سياسية أم تقنية؟

ستاف كوانتم·فريق التحرير١٦ يونيو ٢٠٢٦ في ٠٣:١٢ ص5 دقائق قراءة
باريس تُخرج الدبابة الإسرائيلية من معرض الأسلحة: رسالة سياسية أم تقنية؟

قرار فرنسا بإغلاق 12 جناحاً لشركات إسرائيلية في معرض يوروساتوري للدفاع يثير أزمة دبلوماسية جديدة بين البلدين. باريس تتهم تل أبيب بعدم الامتثال للشروط، بينما ترى إسرائيل محاولة لإخفاء تفوقها التكنولوجي على خلفية اعتراف فرنسا بدولة فلسطينية.

في خطوة وصفتها تل أبيب بأنها «عدائية وغير مبررة»، أصدرت السلطات الفرنسية قراراً بإغلاق 12 جناحاً لشركات إسرائيلية كانت تستعد للمشاركة في معرض «يوروساتوري» للدفاع والأمن، الذي يُقام قرب العاصمة باريس. وجاء القرار قبل ساعات من افتتاح المعرض، مما دفع الوفد الإسرائيلي إلى الانسحاب الكامل احتجاجاً. وبررت الشركة المنظمة للمعرض هذه الخطوة بأن الشركات الإسرائيلية لم تمتثل للشروط التي وضعتها السلطات الفرنسية، والتي تشترط عدم عرض معدات عسكرية تستخدم في الضفة الغربية أو قطاع غزة. إلا أن مصادر إسرائيلية وصفت هذه المبررات بأنها «واجهة هشة» لقرار سياسي بحت. وقال مسؤول في وزارة الدفاع الإسرائيلية إن «فرنسا تحاول إخفاء تفوقنا التكنولوجي في مجال الأمن والدفاع، وتستخدم ذرائع فنية لتحقيق أهداف سياسية». وأضاف أن القرار يندرج في سياق سلسلة من الإجراءات الفرنسية «المعادية» تجاه إسرائيل، والتي بلغت ذروتها بالاعتراف بدولة فلسطينية ومنع وزراء إسرائيليين من دخول الأراضي الفرنسية. ويعد معرض يوروساتوري أحد أهم المعارض الدفاعية في أوروبا، وتشارك فيه مئات الشركات من مختلف دول العالم. وكانت إسرائيل تعول على مشاركتها هذا العام لعرض أحدث تقنياتها في مجال الطائرات بدون طيار وأنظمة الدفاع الصاروخي، خاصة بعد النجاحات التي حققتها في عملياتها الأخيرة. وتأتي هذه الأزمة في وقت تشهد فيه العلاقات بين فرنسا وإسرائيل توتراً غير مسبوق، إذ سبق أن انتقدت باريس بشدة العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، وطالبت بوقف فوري لإطلاق النار. كما دعت إلى محاكمة دولية لقادة إسرائيليين بتهم ارتكاب جرائم حرب. من جهتها، أكدت وزارة الخارجية الفرنسية أن القرار يتعلق بمسائل تنظيمية بحتة، وأن باريس تحترم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، لكنها ترفض أي انتهاك للقانون الدولي. وأشارت إلى أن فرنسا لا تزال ملتزمة بأمن إسرائيل، لكنها في الوقت نفسه تدعم حل الدولتين. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمثل اختباراً لمدى قدرة إسرائيل على الحفاظ على علاقاتها مع حلفائها الأوروبيين في ظل استمرار الحرب على غزة. فمنذ السابع من أكتوبر، تزايدت الانتقادات الدولية لإسرائيل، وتحولت بعض العواصم الأوروبية من مواقف داعمة إلى مواقف أكثر حذراً. وكانت إسرائيل قد استثمرت بكثافة في تطوير صناعتها الدفاعية، وأصبحت من بين أكبر عشر دول مصدرة للأسلحة في العالم. وتعتمد على مشاركتها في المعارض الدولية لترويج منتجاتها، خاصة في أوروبا التي تُعد سوقاً رئيسية. لكن القرار الفرنسي قد يدفع إسرائيل إلى إعادة تقييم استراتيجيتها التسويقية، وقد يزيد من اعتمادها على أسواق بديلة في آسيا وأمريكا اللاتينية. كما قد يؤثر على سمعة المعرض نفسه، الذي قد يُنظر إليه مستقبلاً على أنه منصة تخضع لأجندات سياسية. وفي رد فعل غاضب، أعلنت إسرائيل أنها ستتخذ إجراءات دبلوماسية ضد فرنسا، وقد تطلب توضيحات رسمية عبر القنوات الدبلوماسية. كما هددت بتعليق بعض أشكال التعاون الأمني المشترك إذا استمرت باريس في ما وصفته بـ«التمييز» ضدها. على الجانب الفرنسي، يبدو أن القرار يحظى بدعم واسع من الرأي العام الأوروبي، الذي أصبح أكثر انتقاداً لإسرائيل. وتظهر استطلاعات الرأي أن غالبية الفرنسيين يؤيدون اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه حكومة نتنياهو. ويبقى السؤال: هل ستنجح الدبلوماسية الفرنسية في احتواء الأزمة، أم أن هذه الخطوة ستؤدي إلى تدهور أكبر في العلاقات بين البلدين، خاصة مع استمرار الحرب في غزة وعدم وجود بوادر لحل سياسي قريب؟

رأي ستاف كوانتم

إن قرار فرنسا بإغلاق أجنحة الشركات الإسرائيلية في معرض يوروساتوري ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل هو رسالة سياسية واضحة تحمل في طياتها تحولاً في الموقف الأوروبي من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. فبعد عقود من الدعم غير المشروط لإسرائيل، بدأت العواصم الأوروبية، وعلى رأسها باريس، في إعادة النظر في علاقاتها مع تل أبيب.

السياق التاريخي لهذا القرار لا يمكن فصله عن تطورات السابع من أكتوبر وما تلاه من حرب مدمرة على غزة. ففرنسا، التي كانت تقود جهوداً دبلوماسية لتهدئة الأوضاع، تجد نفسها مضطرة لاتخاذ خطوات عملية تترجم مواقفها السياسية. الاعتراف بدولة فلسطينية، ومنع الوزراء الإسرائيليين من دخول البلاد، والآن منع المشاركة في معرض دفاعي، كلها إجراءات تهدف إلى الضغط على إسرائيل لوقف ما تعتبره باريس «انتهاكات صارخة للقانون الدولي».

من الناحية الاقتصادية، فإن القرار الفرنسي يوجه ضربة لصناعة الدفاع الإسرائيلية التي تعتمد بشكل كبير على السوق الأوروبية. فإسرائيل صدرت أسلحة بقيمة 12.5 مليار دولار في 2022، وكانت أوروبا الوجهة الأولى لهذه الصادرات. إغلاق الأجنحة في معرض بحجم يوروساتوري قد يكلف الشركات الإسرائيلية ملايين الدولارات من الصفقات المحتملة، وقد يدفع دولاً أوروبية أخرى إلى اتخاذ إجراءات مماثلة.

على الصعيد السياسي، يعكس القرار تغيراً في موازين القوى داخل الاتحاد الأوروبي. فالدول المؤيدة لإسرائيل، مثل ألمانيا والنمسا، تجد نفسها في موقف دفاعي أمام تيار متزايد يطالب بموقف أكثر توازناً. فرنسا، بوصفها قوة نووية وعضو دائم في مجلس الأمن، تقود هذا التيار، مما يمنحه ثقلاً دولياً كبيراً.

إقليمياً، قد يشجع هذا القرار دولاً عربية وإسلامية على اتخاذ خطوات مماثلة، خاصة تلك التي طبعت علاقاتها مع إسرائيل مؤخراً. فإذا رأت هذه الدول أن أوروبا، الحليف التقليدي لإسرائيل، بدأت تتخذ مواقف أكثر صرامة، فقد تتراجع عن تطبيع العلاقات أو تفرض قيوداً على التعاون العسكري.

أما بالنسبة للمستقبل، فمن المتوقع أن تتجه العلاقات الفرنسية الإسرائيلية إلى مزيد من التوتر، خاصة إذا استمرت الحرب على غزة. قد نشهد المزيد من الإجراءات العقابية، مثل فرض عقوبات اقتصادية أو سحب السفراء، مما قد يدفع إسرائيل إلى إعادة النظر في استراتيجيتها الإقليمية.

في المحصلة، إن قرار باريس هو تحذير واضح لإسرائيل بأن استمرار السياسات الحالية قد يؤدي إلى عزلتها الدولية. لكن السؤال هو: هل ستستجيب تل أبيب لهذه الضغوط، أم ستستمر في تحدّي المجتمع الدولي، معتمدة على دعم واشنطن؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من سياسة

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →