خاص - كوانتم عندما بدأت القوات الأوكرانية في إخلاء المصانع الحيوية من سلوفيانسك وكراماتورسك هذا الأسبوع، لم يكن الأمر مجرد انسحاب تكتيكي. كان إقراراً صريحاً بأن الجبهة في دونيتسك تتآكل من الداخل. المشهد يذكّرني بما حدث في فيتنام عام 1968، عندما انسحبت القوات الأمريكية من قاعدة كيه سان البحرية بعد حصار دام 77 يوماً. هناك، كما هنا، كان التفوق الجوي واللوجستي هشاً أمام إرادة ميدانية لا تلين. في كيه سان، كان الأمريكيون يسيطرون على الجو ويقصفون بلا هوادة، لكن الفيتكونغ حفروا أنفاقاً تحت الأرض وقطعوا خطوط الإمداد. اليوم، في دونيتسك، الروس يتقدمون ببطء ولكن بثبات، مستغلين ضعف الدعم الغربي الذي يصل متأخراً وناقصاً. الفرق الوحيد أن أوكرانيا تفتقر إلى غابات فيتنام الكثيفة، لكنها تمتلك سهولاً مكشوفة تحولت إلى مقابر للمدرعات. الدرس المستفاد من فيتنام واضح: لا يمكن الفوز في حرب استنزاف دون قدرة على الصمود الداخلي. أوكرانيا تخسر هذه القدرة مع كل قصف يقطع الكهرباء وكل صاروخ يدمر مصنعاً. إخلاء المصانع ليس مجرد نقل آلات، بل اعتراف بأن الدولة تفقد عمودها الفقري الصناعي. عندما يغادر العمال المدربون، وتتوقف خطوط الإنتاج، تتحول الحرب من دفاع عن الأرض إلى دفاع عن البقاء. لكن هناك فرق جوهري: فيتنام كانت حرباً ضد قوة استعمارية، بينما أوكرانيا تواجه جاراً يريد إعادة تشكيل الخريطة بالقوة. ورغم ذلك، يبقى التشابه صادماً في النهاية. في كيه سان، خسر الأمريكيون المعركة رغم انتصارهم التكتيكي، لأنهم فشلوا في ترجمة القوة الجوية إلى نصر استراتيجي. في دونيتسك، أوكرانيا تخسر المعركة رغم بطولة جنودها، لأن الدعم الغربي يصل بوتيرة لا تواكب وتيرة التدمير الروسي. ما يراه المراقب اليوم هو جبهة تتراجع كالسلحفاة المصابة. كل انسحاب أوكراني يتحول إلى فرصة روسية لتوسيع رقعة السيطرة، ومعها تآكل الروح المعنوية. الأهم أن المدنيين يدفعون الثمن. في كراماتورسك، حيث كان المقهى الوحيد الذي يفتح أيام القصف يقدم القهوة مجاناً للجنود، الآن الصمت يخيم والغبار يتطاير مع كل غارة. لن يكون مفاجئاً أن نشهد انهياراً كاملاً في دونيتسك خلال الأسابيع المقبلة إذا لم يتغير شيء. أوكرانيا تحتاج ليس فقط إلى أسلحة، بل إلى خطة واضحة لتحويل الحرب من دفاع إلى هجوم مضاد. لكن مع تبدد الدعم الغربي وانتظار الانتخابات الأمريكية، يبدو أن كييف تنتظر القدر بدلاً من صنعه. في النهاية، يبقى السؤال: هل تتعلم أوكرانيا من فيتنام أم تكرر أخطاءها؟ إخلاء المصانع يقول إنهم يكررونها، لكن التاريخ لا يغفر التكرار.
انهيار دونيتسك: دروس من حرب الخنادق في فيتنام تعود لتطارد أوكرانيا

إخلاء المصانع في سلوفيانسك وكراماتورسك يعيد إلى الأذهان انهيار جبهة كيه سان في فيتنام عام 1968، حيث تحول التفوق الجوي الأمريكي إلى عبء. اليوم، تدفع أوكرانيا ثمن الاعتماد المفرط على الدعم الغربي.
هذا الانهيار ليس عسكرياً فقط، بل هو انهيار في نموذج الحرب الأوكرانية بأكمله. أوكرانيا راهنت على الحرب الطويلة التي تستنزف الروس، لكنها نسيت أن الاستنزاف طريق ذو اتجاهين. صحيح أن الروس يخسرون آليات وجنوداً، لكنهم يخسرون أشياء يمكن تعويضها، بينما أوكرانيا تخسر بنيتها التحتية وجيلاً كاملاً من الشباب.
ما يحدث في دونيتسك هو إعادة إنتاج لسيناريو حلب 2016، لكن بفارق جوهري: في حلب، كان النظام السوري يستعد لاستعادة المدينة كاملة، بينما في دونيتسك، القوات الأوكرانية تنسحب دون خطة واضحة للعودة. هذا يذكرنا بأن الحروب لا تنتصر فقط بالمدافع والطائرات، بل بالاستراتيجية والإرادة.
الغرب الذي راهن على إضعاف روسيا عبر أوكرانيا يكتشف الآن أن اللعبة لها تبعات. كل صاروخ يطلق على مصنع أوكراني هو صاروخ يدفع كييف نحو الانهيار، وليس نحو النصر. التحولات في الدعم الغربي، من حزم المساعدات الضخمة إلى التردد والمساومات السياسية، تعكس أزمة ثقة في قدرة أوكرانيا على الصمود.
لكن الأخطر هو ما لا يقال: أوكرانيا تخسر ليس فقط الأرض، بل أيضاً السردية. عندما تصبح المدن أشباحاً، والمصانع أنقاضاً، يصبح من الصعب إقناع العالم بأن هناك أمل. فيتنام علمت أميركا أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع النصر، وأوكرانيا تتعلم الآن أن الدعم الخارجي وحده لا يكفي.
ربما حان الوقت لكييف لتغيير استراتيجيتها: بدلاً من الدفاع الثابت، الانتقال إلى حرب العصابات في العمق الروسي. بدلاً من انتظار الدبابات، تطوير الطائرات المسيرة محلية الصنع. لكن الأهم، العودة إلى الجذور: حرب الشعب التي تتجاوز الجيش النظامي. وإلا، ستبقى دونيتسك مقبرة للأحلام الأوكرانية.