في تطور سياسي وقانوني لافت، أصدر النائب العام اليمني القاضي قاهر مصطفى قراراً يقضي بالحجز التحفظي على جميع الأموال والحسابات المصرفية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، وذلك وفقاً لمصادر قضائية مطلعة. ويأتي هذا القرار في وقت تشهد فيه الساحة اليمنية توترات متزايدة بين الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً والمجلس الانتقالي الجنوبي، الذي أعلن عن نفسه كياناً سياسياً انفصالياً يسعى للانفصال عن شمال اليمن. القرار الذي صدر اليوم الأربعاء يحمل أبعاداً قانونية وسياسية عميقة، إذ يعيد إلى الواجهة قضية شرعية الكيانات الموازية التي ظهرت في اليمن خلال سنوات الحرب. فالمجلس الانتقالي الجنوبي، الذي تأسس في 2017 بدعم من الإمارات العربية المتحدة، كان قد أعلن عن إدارة ذاتية في المناطق الجنوبية في أبريل 2020، مما دفع الحكومة اليمنية إلى اعتباره كياناً غير قانوني واتخاذ إجراءات ضده. ويرى مراقبون أن هذا القرار يأتي في سياق محاولة الحكومة اليمنية بسط سيطرتها على المؤسسات المالية والاقتصادية في البلاد، بعد سنوات من الفوضى التي سمحت بظهور كيانات غير شرعية تسيطر على موارد الدولة. فالمجلس الانتقالي الجنوبي كان قد فرض سيطرته على عدد من المؤسسات الحكومية في عدن والمحافظات الجنوبية، بما في ذلك البنك المركزي اليمني في عدن، مما أدى إلى صراعات داخلية مع الحكومة. وتشير المصادر إلى أن قرار الحجز التحفظي يشمل جميع الأصول المنقولة وغير المنقولة التابعة للمجلس الانتقالي وأعضائه، بالإضافة إلى حساباته المصرفية في البنوك المحلية والخارجية. ويهدف القرار إلى منع أي تصرف في هذه الأموال لحين صدور أحكام قضائية نهائية في قضايا تتعلق باختلاس أموال عامة وتجاوزات قانونية. من جهة أخرى، يثير هذا القرار تساؤلات حول مدى قدرة الحكومة اليمنية على تنفيذه على الأرض، خاصة في المناطق التي يسيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي، مثل عدن ولحج وأبين. فالقوات العسكرية التابعة للمجلس الانتقالي لا تزال تسيطر على مقاليد الأمور في تلك المناطق، مما قد يؤدي إلى مواجهات جديدة تعقد جهود السلام. ويرى المحللون أن توقيت القرار ليس مصادفة، فهو يأتي بعد أيام من إعلان الحكومة اليمنية عن خطة لإعادة هيكلة القطاع المالي والمصرفي، وبالتزامن مع جهود دولية لإنهاء الحرب في اليمن. فالحكومة اليمنية تسعى من خلال هذه الإجراءات إلى تعزيز موقفها التفاوضي، وإظهار أنها لا تزال الطرف الشرعي القادر على إدارة شؤون البلاد. لكن في المقابل، يرى بعض المراقبين أن هذا القرار قد يكون له تداعيات سلبية على جهود السلام، إذ قد يدفع المجلس الانتقالي الجنوبي إلى التصعيد العسكري أو السياسي، مما يهدد الهدنة الهشة التي تم التوصل إليها برعاية الأمم المتحدة. فالمجلس الانتقالي يعتبر نفسه لاعباً أساسياً في المشهد اليمني، ويرفض أي إجراءات تقوض وجوده. ويبقى السؤال الأهم: هل ستنجح الحكومة اليمنية في فرض سيطرتها على الموارد المالية في الجنوب، أم أن هذا القرار سيبقى حبراً على ورق؟ الإجابة تعتمد على مدى الدعم الدولي الذي تحظى به الحكومة، وعلى قدرة الأطراف الإقليمية، خاصة الإمارات، على التأثير في مسار الأحداث.
اليمن: قرار حاسم من النائب العام يضع المجلس الانتقالي الجنوبي تحت الحجز التحفظي

أصدر النائب العام اليمني قاهر مصطفى قراراً بالحجز التحفظي على أموال وحسابات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في خطوة تعكس تصعيداً في الصراع السياسي والقانوني بين الحكومة الشرعية والفصائل الانفصالية المدعومة إماراتياً، وتثير تساؤلات حول مستقبل الاستقرار في المناطق الجنوبية.
القرار الذي أصدره النائب العام اليمني بالحجز التحفظي على أموال المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل هو خطوة قانونية ضرورية لاستعادة هيبة الدولة ومكافحة الفساد، لكنها تحمل في طياتها مخاطر كبيرة قد تؤدي إلى انفجار الوضع في الجنوب. فبعد سنوات من الحرب والصراع، أصبحت اليمن ساحة يتصارع فيها اللاعبون الإقليميون والدوليون، وأصبحت الكيانات الموازية جزءاً من المشهد السياسي، مما يجعل أي محاولة لتصحيح المسار تواجه عقبات جمة.
تاريخياً، يعود جذور الصراع في الجنوب إلى ما قبل الحرب الحالية، فبعد الوحدة اليمنية في 1990، شعر الجنوبيون بالتهميش والاستغلال من قبل النخبة الشمالية، مما أدى إلى حرب 1994 وخروج الحراك الجنوبي في 2007. ومع اندلاع الحرب في 2014، وجدت الحركات الانفصالية فرصة لتعزيز وجودها بدعم من التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات. لكن الإمارات، التي دعمت المجلس الانتقالي الجنوبي، كانت تسعى إلى تعزيز نفوذها في جنوب اليمن والموانئ الاستراتيجية على البحر العربي وخليج عدن.
اقتصادياً، يمثل الجنوب اليمني ثروة البلاد الحقيقية، من موانئ عدن والمكلا إلى حقول النفط والغاز في حضرموت وشبوة. لذلك، فإن السيطرة على هذه الموارد هي جوهر الصراع بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي. وقرار الحجز على أموال المجلس هو محاولة من الحكومة لاستعادة السيطرة على هذه الموارد، لكنه يأتي في وقت تعاني فيه الحكومة من ضعف شديد في قدرتها على فرض القانون في مناطق نفوذ المجلس.
سياسياً، يرسل القرار رسالة قوية إلى المجتمع الدولي بأن الحكومة اليمنية لا تزال متمسكة بشرعيتها، وأنها لن تسمح بوجود كيانات موازية تسعى إلى تقويض الدولة. لكن في المقابل، قد يؤدي هذا القرار إلى تعقيد جهود السلام، إذ أن المجلس الانتقالي يعتبر نفسه شريكاً في أي مفاوضات مستقبلية، وأي إجراء ضده قد يدفعه إلى الانسحاب من العملية السياسية.
على الصعيد الإقليمي، يضع القرار الإمارات في موقف حرج، فهي الداعم الرئيسي للمجلس الانتقالي، وقد تضطر إلى اختيار بين دعم حليفها أو التخلي عنه للحفاظ على علاقاتها مع الحكومة الشرعية والسعودية. ومن المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تحركات دبلوماسية مكثفة لإيجاد حل وسط يرضي جميع الأطراف.
في النهاية، يظل مستقبل اليمن مرهوناً بقدرة الأطراف على تجاوز الخلافات والجلوس إلى طاولة المفاوضات. فالحل العسكري أثبت فشله، وأي إجراءات أحادية الجانب، مهما كانت قانونية، قد تؤدي إلى نتائج عكسية. إن الحل الوحيد هو حوار وطني شامل يضمن حقوق جميع اليمنيين ويحقق السلام والاستقرار.