اقتصاد

الفحم يعود بقوة: آسيا تتحدى ضغوط المناخ وتستدعي الصديق القديم

ستاف كوانتم·فريق التحرير١٦ يونيو ٢٠٢٦ في ٠٣:١٦ ص5 دقائق قراءة
الفحم يعود بقوة: آسيا تتحدى ضغوط المناخ وتستدعي الصديق القديم

في تحول لافت عن التوجه العالمي نحو الطاقة النظيفة، زادت الدول الآسيوية وارداتها من الفحم بشكل كبير، معتمدة على موثوقيته الاقتصادية وقلة تكلفته، متجاهلة الانتقادات البيئية. هذا الاتجاه يعيد تشكيل سياسات الطاقة الإقليمية ويثير تساؤلات حول مستقبل التزامات المناخ.

في عالم يلهث وراء صفقة المناخ ويسابق الزمن لتحقيق الحياد الكربوني، تعود أسواق الطاقة الآسيوية إلى جذورها القديمة، متحدية بذلك الاتجاهات السائدة والمطالب الدولية بخفض الانبعاثات. فقد أظهرت بيانات التجارة الحديثة ارتفاعاً ملحوظاً في واردات الفحم إلى عدد من الدول الآسيوية الكبرى، في خطوة وصفتها الأوساط الاقتصادية بأنها عودة عملية إلى الوقود الأحفوري الأكثر تلويثاً، والذي كان يُعتقد أنه في طريقه إلى الزوال التدريجي. السبب الرئيسي لهذا التحول ليس بيئياً بل اقتصادياً بحتاً. مع ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي وعدم استقرار إمدادات الطاقة المتجددة، وجدت اقتصادات آسيا السريعة النمو نفسها في مأزق: الحاجة إلى طاقة رخيصة ومستقرة لتغذية مصانعها ومدنها الممتدة. هنا برز الفحم كخيار إستراتيجي، فهو متوفر بكثرة، وسعره منخفض نسبياً، وشبكات توريده راسخة منذ عقود. إنه باختصار الصديق القديم الذي لا يخذل في الأوقات الصعبة. من الهند إلى الصين، مروراً بفيتنام وإندونيسيا، تشهد موانئ هذه الدول ازدحاماً متزايداً بشحنات الفحم القادمة من أستراليا وروسيا وإندونيسيا نفسها. الصين، التي كانت قد أعلنت عن خطط طموحة لخفض استهلاك الفحم، عادت لزيادة وارداتها بشكل كبير خلال العام الماضي، وذلك لمواجهة نقص الكهرباء الذي أصاب العديد من مقاطعاتها الصناعية. أما الهند، فهي الأخرى رفعت وتيرة استيراد الفحم لتلبية الطلب المتزايد من قطاعي الطاقة والصناعة. هذا التوجه لا يخلو من انتقادات حادة من قبل المنظمات البيئية والناشطين في مجال المناخ، الذين يرون فيه نكسة للجهود العالمية لمكافحة الاحتباس الحراري. ويشيرون إلى أن زيادة حرق الفحم ستؤدي إلى ارتفاع الانبعاثات الكربونية بشكل كبير، مما يقوض الالتزامات التي قطعتها هذه الدول ضمن اتفاقية باريس للمناخ. لكن الحكومات الآسيوية تبدو عازمة على المضي قدماً، معتبرة أن أمن الطاقة والنمو الاقتصادي لهما الأولوية على المدى القريب. من الناحية الجيوسياسية، فإن هذا العودة إلى الفحم تعيد تشكيل التحالفات التجارية. روسيا، التي تواجه عقوبات غربية على صادراتها من الغاز، تجد في سوق الفحم الآسيوي متنفساً حيوياً. كما أن أستراليا، التي كانت قد توترت علاقاتها التجارية مع الصين، تعود بقوة كمصدر رئيسي للفحم إلى المنطقة. وفي الوقت نفسه، تتعزز مكانة إندونيسيا كمنتج ومصدر إقليمي رئيسي. على الصعيد التكنولوجي، هناك محاولات لتخفيف الأثر البيئي للفحم من خلال تطوير تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه، ولكن هذه التقنيات لا تزال باهظة الثمن وقليلة الانتشار. كما أن هناك اتجاهاً نحو تحسين كفاءة محطات الفحم لتقليل الانبعاثات، لكن ذلك لا يغير من حقيقة أن الفحم يبقى الأكثر تلويثاً بين مصادر الطاقة الأحفورية. في المحصلة، تعكس زيادة واردات الفحم الآسيوية تناقضاً جوهرياً بين الأهداف المناخية الطموحة والواقع الاقتصادي الصعب. فبينما تعلن الحكومات عن خطط خضراء طموحة، إلا أن احتياجاتها الفورية من الطاقة تجعلها تتمسك بأكثر الحلول المتاحة موثوقية ورخصاً. وقد تستمر هذه المعادلة لعدة سنوات قادمة، حتى تنضج تقنيات الطاقة المتجددة وتصبح قادرة على تلبية الطلب المتزايد بشكل موثوق ومستقر. وهكذا، يبدو أن الصديق القديم، الفحم، لم يقل كلمته الأخيرة بعد، بل يعود بقوة ليلعب دوراً محورياً في معادلة الطاقة الآسيوية، متحدياً كل التوقعات والضغوط الدولية. ويبقى السؤال: هل ستتمكن هذه الدول من الموازنة بين احتياجاتها الحالية والتزاماتها المستقبلية تجاه الكوكب؟

رأي ستاف كوانتم

في تحليل عميق لهذه الظاهرة، يمكننا مقارنة سيناريوهين متعارضين حول مستقبل الفحم في آسيا. السيناريو الأول: التمسك بالفحم كحل مؤقت وضروري، والثاني: التسريع نحو التحول الطاقي رغم التكاليف.

السيناريو الأول يبدو الأكثر واقعية على المدى القصير. فالدول الآسيوية النامية، مثل الهند وفيتنام، لديها مئات الملايين من السكان الذين يحتاجون إلى كهرباء رخيصة لتحسين مستويات المعيشة. بالنسبة لهذه الدول، الفحم هو أرخص مصدر متاح وبكميات كافية. كما أن بنيتها التحتية للطاقة المتجددة لا تزال غير ناضجة، وتواجه تحديات في تخزين الطاقة وتقلبات الإنتاج. من هذا المنطلق، فإن العودة إلى الفحم هي خطوة عملية وليست تراجعاً عن الأهداف المناخية، بل هي استجابة لحاجة ملحة. لكن هذا السيناريو يحمل مخاطر كبيرة على المدى البعيد، حيث ستتراكم الانبعاثات وتزداد تداعيات تغير المناخ، مما قد يكلف هذه الدول أضعاف ما توفره حالياً.

أما السيناريو الثاني، فيدعو إلى تسريع وتيرة الاستثمار في الطاقة المتجددة وتقديم حوافز ضخمة لتحفيز التحول. هذا السيناريو مدعوم من قبل المنظمات البيئية والدول الغربية التي تقدم تمويلاً مناخياً. لكنه يواجه عقبات هائلة: أولها التكلفة المرتفعة للتحول، والتي تحتاج إلى استثمارات بمليارات الدولارات. ثانياً، الحاجة إلى تكنولوجيا متطورة لتخزين الطاقة، والتي لا تزال غير متاحة على نطاق واسع. ثالثاً، التبعية على الواردات من الصين وغيرها من الدول في مجال الألواح الشمسية والتوربينات، مما يخلق مخاطر جيوسياسية جديدة.

من الناحية التاريخية، نرى أن الثورات الصناعية السابقة اعتمدت على الوقود الأحفوري، ولم تنجح أي دولة في القفز فوق هذه المرحلة مباشرة إلى الطاقة النظيفة. الدول المتقدمة حالياً بنت ثروتها على الفحم والنفط قبل أن تتحول إلى مصادر أنظف. لذلك، من غير الواقعي توقع أن تقوم الدول النامية بهذا القفز الآن، خاصة في ظل غياب بدائل مجدية اقتصادياً.

أما الأبعاد الإقليمية، فتعزيز تجارة الفحم يخلق تحالفات جديدة. روسيا، التي كانت تعتمد على أوروبا، تتجه شرقاً. أستراليا تعزز علاقاتها مع آسيا رغم توترات الماضي. إندونيسيا تستفيد من موقعها كمنتج رئيسي. هذا يغير خرائط الطاقة العالمية ويضعف تأثير العقوبات الغربية على موسكو.

في التوقعات المستقبلية، أتوقع أن تستمر زيادة واردات الفحم لمدة 5-7 سنوات قادمة على الأقل، إلى أن تنخفض تكلفة الطاقة المتجددة بشكل كبير وتصبح تقنيات التخزين أكثر نضجاً. بعد ذلك، قد يبدأ الانحسار التدريجي للفحم، لكنه لن يختفي تماماً قبل عام 2050 على الأقل. الدول الآسيوية ستظل تواجه معضلة: تحقيق النمو الاقتصادي الآن مقابل دفع فاتورة بيئية باهظة لاحقاً.

في المحصلة، إن عودة الفحم هي انعكاس لواقع صارخ: التحول الطاقي ليس سهلاً ولا رخيصاً، والدول النامية تحتاج إلى طاقة اليوم وليس غداً. الضغط الدولي وحده لن يغير هذه المعادلة دون تقديم بدائل عملية وميسورة.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من اقتصاد

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →