شهدت أسواق المعادن الثمينة حالة من الترقب الحذر اليوم الثلاثاء، بعد أن سجلت أسعار الذهب قفزة ملحوظة في الجلسة السابقة لتبلغ أعلى مستوياتها في أكثر من أسبوع. وجاء هذا الارتفاع في ظل تداول أنباء عن تقدم ملموس في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، مما أثار موجة من التفاؤل الحذر بين المستثمرين. الذهب، الذي يعتبر الملاذ الآمن الأول في أوقات عدم اليقين، وجد نفسه في موقف متناقض: من جهة، يدفعه التوتر الجيوسياسي نحو الصعود، ومن جهة أخرى، يلوح في الأفق اتفاق دبلوماسي قد يزيل أحد أكبر مصادر القلق في الشرق الأوسط. وقد استقرت العقود الآجلة للذهب عند مستويات قريبة من 1950 دولاراً للأونصة، بعد أن كانت قد تجاوزت حاجز 1960 دولاراً في جلسة الاثنين. ويرى المحللون أن السوق تنتظر بفارغ الصبر تفاصيل الاتفاق المحتمل، خاصة فيما يتعلق ببرنامج إيران النووي والعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها. أي تقدم ملموس في هذا الملف قد يؤدي إلى تراجع الطلب على الذهب كملاذ آمن، مما يضع ضغوطاً هبوطية على الأسعار في المدى القصير. لكن الصورة ليست أحادية الجانب. فالذهب لا يتأثر فقط بالتوترات الجيوسياسية، بل أيضاً بالسياسات النقدية للبنوك المركزية الكبرى، وخاصة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. ومع استمرار الحديث عن رفع أسعار الفائدة لمكافحة التضخم، يظل الذهب تحت ضغط مزدوج: من ناحية، قوة الدولار التي تثقل كاهل السلع المقومة به، ومن ناحية أخرى، ارتفاع تكلفة الفرصة البديلة للاستثمار في الأصول غير المدرة للعائد. وفي هذا السياق، يرى بعض الخبراء أن أي اتفاق أمريكي إيراني قد يكون له تأثير محدود على المدى الطويل، إذ أن العوامل الهيكلية الداعمة للذهب لا تزال قوية: التضخم العالمي المرتفع نسبياً، حالة عدم اليقين الاقتصادي، ومخاوف الركود في بعض الاقتصادات الكبرى. كما أن سياسات البنوك المركزية في شرق آسيا، وخاصة الصين والهند، التي تواصل شراء الذهب لتنويع احتياطياتها، تشكل دعماً قوياً للأسعار. ومن الملفت أن الأسواق لم تتفاعل بشكل كبير مع بيانات اقتصادية أمريكية صدرت مؤخراً، مما يشير إلى أن التركيز منصب بالكامل على التطورات الجيوسياسية. ومع ذلك، فإن أي مفاجآت في بيانات التوظيف أو التضخم الأسبوع المقبل قد تعيد توجيه الأنظار نحو السياسة النقدية. على الصعيد الفني، يبدو أن الذهب يحاول اختراق مقاومة رئيسية عند 1965 دولاراً، وهو ما قد يفتح الباب أمام موجة صعودية جديدة نحو 2000 دولار. لكن في حال فشل الاتفاق أو ظهور عقبات جديدة، فقد نشهد عودة سريعة للطلب على الملاذات الآمنة، مما يدفع الأسعار للارتفاع. في المحصلة، يبقى الذهب رهين التطورات السياسية والاقتصادية المتشابكة، والمستثمرون على موعد مع أيام حاسمة قد تحدد مسار المعدن النفيس في الأسابيع المقبلة.
الذهب يترقب انفراجة دبلوماسية كبرى: هل يخسر بريقه مع اقتراب الاتفاق الأمريكي الإيراني؟

استقرت أسعار الذهب اليوم بعد قفزة ملحوظة، مع انتظار الأسواق لتفاصيل الاتفاق المحتمل بين واشنطن وطهران. التحليل التحريري يكشف أبعاد الصفقة وتأثيراتها على الملاذات الآمنة.
الاتفاق الأمريكي الإيراني ليس مجرد صفقة تبادل أسرى أو تعليق عقوبات، بل هو لعبة شطرنج كبرى على مستوى الشرق الأوسط والعالم. في رأينا، الذهب قد يكون الخاسر الأكبر في المدى القصير إذا تم الاتفاق، لكنه سيبقى رهاناً رابحاً على المدى الطويل.
لطالما كان الذهب مرآة لاضطرابات العالم، وحين تهدأ العواصف، يتراجع بريقه مؤقتاً. لكن السؤال الجوهري: هل ستهدأ العواصف فعلاً؟ التاريخ يعلمنا أن الاتفاقيات الكبرى، مثل خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2015، غالباً ما تتبعها فترة من التفاؤل تليها خيبات أمل. وحتى لو تم الاتفاق اليوم، فإن الشرق الأوسط يظل برميل بارود، فمن يضمن أن تداعياته لن تخلق أزمات جديدة؟
اقتصادياً، الذهب يواجه تحديات هيكلية أعمق. سياسات التيسير الكمي التي اتبعتها البنوك المركزية بعد أزمة كورونا خلقت سيولة هائلة تبحث عن ملاذات آمنة، والذهب كان المستفيد الأول. لكن مع تحول السياسات نحو التشديد، قد يجد الذهب نفسه في مواجهة رياح معاكسة قوية. ومع ذلك، فإن التضخم المستمر وضعف الثقة في العملات الورقية يبقيان الذهب كخيار استراتيجي.
إقليمياً، أي اتفاق مع إيران سيعيد تشكيل خريطة التحالفات في الشرق الأوسط. السعودية والإمارات تراقبان عن كثب، وقد تدفع الصفقة نحو مزيد من التطبيع أو العكس. هذا التغير الجيوسياسي سيؤثر على أسعار النفط، وبالتالي على التضخم، مما ينعكس بشكل غير مباشر على الذهب.
أما مستقبلاً، فنحن نتوقع أن يظل الذهب في نطاق تداولي بين 1850 و2050 دولاراً للأونصة خلال العام المقبل، مع ميل صعودي طفيف. السبب: أن أي اتفاق مع إيران سيكون له تأثير محدود على المدى الطويل، بينما تبقى المخاطر النظامية العالمية قائمة: الحرب في أوكرانيا، التوتر في تايوان، وأزمات الديون السيادية.
في النهاية، الذهب ليس مجرد سلعة، بل هو تأمين ضد فشل السياسات. وحتى لو بدا أن الانفراجة الدبلوماسية تقترب، فإن العالم لا يزال بحاجة إلى هذا التأمين.