سياسة

الجزائر على صفيح ساخن: استبعاد آلاف المرشحين يهدد شرعية الانتخابات التشريعية

ستاف كوانتم·فريق التحرير١٦ يونيو ٢٠٢٦ في ٠٨:٥٢ ص4 دقائق قراءة
الجزائر على صفيح ساخن: استبعاد آلاف المرشحين يهدد شرعية الانتخابات التشريعية

رفضت المحاكم الإدارية في الجزائر آلاف الطعون ضد قرارات رفض الترشيحات للانتخابات التشريعية، مما أثار جدلاً واسعاً حول نزاهة العملية الانتخابية. هذا التصعيد يضع النظام السياسي الجزائري أمام اختبار صعب، مع تساؤلات حول مستقبل الإصلاحات السياسية.

تشهد الساحة السياسية الجزائرية حالة من التوتر والترقب مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في الثاني من يوليو المقبل، وذلك بعد أن أعلنت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات رفض ترشيحات آلاف المرشحين، وتبع ذلك رفض المحاكم الإدارية لنحو 2250 طعناً ضد هذه القرارات. هذا المشهد يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى نزاهة وشفافية العملية الانتخابية، وما إذا كانت هذه الانتخابات ستعكس إرادة الناخبين الحقيقية أم أنها ستكون مجرد إجراء شكلي. السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، التي أنشئت بعد الحراك الشعبي في 2019 بهدف ضمان نزاهة الانتخابات، بررت قرارات الرفض بعدم استيفاء المرشحين للشروط القانونية، مثل عدم اكتمال الملفات أو وجود سوابق قضائية. لكن المعارضة والأحزاب السياسية المستبعدة ترى في هذه القرارات تجاوزاً للصلاحيات واستهدافاً سياسياً، خاصة أن بعض المرشحين المستبعدين ينتمون إلى تيارات سياسية معارضة أو حركات مجتمع مدني. من جهتها، أكدت المحاكم الإدارية رفضها للطعون، معتبرة أن قرارات السلطة الانتخابية مستندة إلى القانون. لكن هذا الموقف لم يهدئ المخاوف، بل زاد من حالة الاحتقان السياسي. فالأحزاب التي تم استبعاد مرشحيها تتهم السلطة الانتخابية بالتحيز وعدم الحياد، وتطالب بإعادة النظر في القرارات. في الوقت نفسه، يرى مراقبون أن هذه الأزمة تعكس صعوبة تحقيق توافق سياسي في الجزائر بعد سنوات من الاحتجاجات والتغييرات السياسية. فالحراك الشعبي الذي أطاح بالرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة كان يطالب بإصلاحات جذرية، لكن يبدو أن النظام السياسي يكافح من أجل التكيف مع المطالب الجديدة. على الجانب الآخر، تدافع الحكومة عن إجراءاتها، مؤكدة أن الانتخابات ستجري في موعدها، وأن السلطة الانتخابية تعمل باستقلالية تامة. لكن مع استمرار الجدل، يبقى السؤال: هل ستنجح هذه الانتخابات في إعادة الاستقرار إلى البلاد، أم أنها ستؤدي إلى مزيد من الانقسام السياسي؟ في هذا السياق، تبرز أهمية الحوار الوطني الشامل الذي يضم جميع الأطراف الفاعلة، من أحزاب سياسية ومجتمع مدني وقوى اجتماعية. فالإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يتحقق عبر انتخابات تفتقر إلى الإجماع الوطني، بل يتطلب توافقاً على قواعد اللعبة السياسية. مع اقتراب موعد الانتخابات، يبقى المشهد السياسي الجزائري مفتوحاً على احتمالات متعددة، وسط تطلعات المواطنين إلى مستقبل أفضل وأكثر ديمقراطية. لكن الطريق إلى ذلك لا يزال طويلاً ومليئاً بالتحديات.

رأي ستاف كوانتم

الجزائر تقف اليوم على مفترق طرق، حيث تختبر الانتخابات التشريعية المقبلة قدرة النظام السياسي على تجاوز أزماته المزمنة. استبعاد آلاف المرشحين ليس مجرد إجراء إداري، بل هو انعكاس لصراع أعمق بين رؤيتين للسلطة: واحدة تريد إبقاء الأمور على حالها، وأخرى تطالب بتغيير جذري.

من الناحية التاريخية، تعاني الجزائر من إرث سياسي ثقيل، حيث حكم الحزب الواحد لعقود طويلة، ثم جاءت الانتفاضة الشعبية في 2019 لتحطم جدار الخوف. لكن التحول الديمقراطي لم يكتمل، بل تحول إلى عملية إصلاح تدريجية يسيطر عليها النخب القديمة. استبعاد المرشحين يذكرنا بممارسات الماضي، وكأن النظام يريد حماية نفسه من أي تغيير حقيقي.

اقتصادياً، تزيد هذه الأزمة من تعقيد المشهد. فالجزائر تعتمد بشكل كبير على المحروقات، ومنذ انهيار أسعار النفط في 2014، تعاني من صعوبات مالية. الإصلاحات الاقتصادية تحتاج إلى استقرار سياسي، لكن هذه الانتخابات قد تؤدي إلى المزيد من الانقسام، مما يثبط الاستثمار ويؤخر الإصلاحات الضرورية.

سياسياً، تظهر هذه الانتخابات فشل النموذج الانتخابي الحالي في تقديم حلول. فالمعارضة ترفض المشاركة إذا كانت العملية غير نزيهة، والحكومة تصر على إجرائها رغم الانتقادات. هذا الانسداد يهدد بإعادة إنتاج الأزمة نفسها، حيث قد تؤدي الانتخابات إلى برلمان ضعيف لا يمثل الشعب، مما يزيد من الإحباط الشعبي.

إقليمياً، تتابع الدول المجاورة، خاصة في المغرب العربي وأوروبا، هذه التطورات بقلق. فالجزائر لاعب رئيسي في المنطقة، وأي عدم استقرار فيها ينعكس على الأمن الطاقوي ومكافحة الإرهاب. كما أن القوى الكبرى، مثل فرنسا والاتحاد الأوروبي، ترغب في رؤية جزائر مستقرة، لكنها لا تريد أن تبدو وكأنها تتدخل في الشؤون الداخلية.

التوقعات المستقبلية تشير إلى أن هذه الانتخابات ستتم في موعدها، لكن شرعيتها ستكون موضع شك. إذا فازت الأحزاب الموالية للنظام، فقد يهدأ الوضع مؤقتاً، لكن الغضب الشعبي سيبقى تحت السطح. أما إذا حدثت مفاجآت وتمكنت المعارضة من تحقيق نتائج جيدة، فقد نشهد تحولاً تدريجياً نحو الإصلاح. لكن الاحتمال الأكبر هو استمرار حالة الجمود، حيث لا أحد قادر على كسر الحلقة المفرغة.

في النهاية، تطرح هذه الانتخابات أسئلة وجودية حول مستقبل الجزائر. هل يمكن بناء ديمقراطية حقيقية في ظل نظام يرفض التخلي عن السيطرة؟ أم أن الجزائر محكومة بالدوران في دائرة الأزمات؟ الإجابة تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف، وإلا فإن البلاد قد تشهد مزيداً من الاضطرابات.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من سياسة

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →