في مشهد يعكس هشاشة الوضع اللبناني وتشابك مصيره مع التطورات الإقليمية، انقسم اللبنانيون بين مؤيد ومعارض للإعلان الأميركي عن اتفاق لوقف الحرب مع إيران. ففي بيروت وطرابلس وصيدا، خرجت جموع من المواطنين إلى الشوارع تعبيراً عن فرحتهم بما وصفوه "بشرى السلام"، رافعين الأعلام اللبنانية ومرددين هتافات ضد التدخلات الخارجية. وفي المقابل، سادت حالة من الترقب والقلق في مناطق أخرى، خصوصاً في الضاحية الجنوبية لبيروت وبعلبك، حيث يخشى الكثيرون من أن يكون الاتفاق مجرد غطاء لترتيبات إقليمية جديدة قد تطيح بالتوازنات الهشة. الاتفاق الذي أعلن عنه ترامب فجأة، دون تقديم تفاصيل دقيقة، أثار موجة من التساؤلات حول ماهيته وحدوده وتأثيراته على لبنان الذي يعاني من أزمة اقتصادية خانقة وفراغ سياسي. فبينما رحب به البعض كخطوة أولى نحو تخفيف التوتر في الشرق الأوسط، رأى آخرون أنه صفقة كبرى قد تكون على حساب القضايا العالقة، وفي مقدمتها ملف ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل وسحب السلاح غير الشرعي. الشارع اللبناني، الذي اعتاد على أن يكون ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وجد نفسه مرة أخرى في قلب العاصفة. ففي الأيام التي تلت الإعلان، تبادل اللبنانيون الاتهامات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث اتهم مؤيدو الاتفاق خصومهم بأنهم "عملاء لإيران"، فيما رد المعارضون بأن الاتفاق هو "خيانة للمقاومة". هذه الانقسامات تعكس عمق الشرخ الداخلي الذي يعصف بالبلاد منذ سنوات، والذي يتجلى في عدم قدرة القوى السياسية على الاتفاق على موقف موحد. من الناحية الاقتصادية، يرى محللون أن الاتفاق قد يفتح الباب أمام تدفق استثمارات خليجية ودولية إلى لبنان، شرط أن يترافق مع إصلاحات حقيقية. فلبنان الذي يئن تحت وطأة ديون تتجاوز 100 مليار دولار وانهيار في قيمة العملة، يحتاج إلى دفعة قوية لإنعاش اقتصاده. غير أن الخبراء يحذرون من أن الفرصة قد تضيع إذا استمرت الأطراف اللبنانية في تعطيل الاستحقاقات الدستورية وتأجيل تشكيل الحكومة. على الصعيد الأمني، يثير الاتفاق مخاوف من أن يؤدي إلى تغيير في ميزان القوى داخل لبنان. فالقوى الموالية لإيران، وفي مقدمتها حزب الله، تعتبر نفسها المستفيد الأكبر من أي تسوية إقليمية، بينما ترى القوى الأخرى أن الاتفاق قد يكون بداية لترتيب أوضاع الحزب وفق رؤية أميركية إسرائيلية. هذا التخوف يزداد في ضوء الغموض الذي يكتنف بنود الاتفاق، حيث لم يكشف ترامب عن أي تفاصيل تتعلق بمستقبل الحزب أو دوره في المنطقة. في الخلاصة، يبدو أن لبنان دخل مرحلة جديدة من عدم اليقين، حيث تتقاطع آمال السلام مع مخاوف التغيير. ففيما يرى البعض في الاتفاق فرصة تاريخية لانتشال البلاد من مستنقع الأزمات، يعتقد آخرون أنه مجرد حلقة جديدة في مسلسل طويل من الصفقات التي تأتي على حساب اللبنانيين. الأيام المقبلة ستكشف عن حقيقة الاتفاق وتأثيراته، لكن الأكيد أن لبنان سيبقى رهينة للتطورات الإقليمية حتى يتمكن أبناؤه من بناء دولة قادرة على حماية مصالحهم.
اتفاق ترامب مع إيران: لبنان بين رقص الشارع ووجوم الحذر من تداعيات غير محسوبة

أثار إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق لوقف الحرب مع إيران انقساماً حاداً في الشارع اللبناني، حيث تباينت ردود الفعل بين فرح عارم وتوجس عميق. وفيما يرى البعض فرصة لإنهاء عقود من التوتر، يحذر آخرون من أن الاتفاق قد يكون فخاً جديداً يزيد تعقيد الأزمة اللبنانية.
تحليل: اتفاق ترامب وإيران وانعكاساته على لبنان: من المحلية إلى الإقليمية إلى العالمية
سياق تاريخي: لطالما كان لبنان ساحة لصراعات القوى الكبرى، من الحرب الباردة إلى غزو العراق، ثم الثورات العربية. واليوم، مع إعلان ترامب عن اتفاق لوقف الحرب مع إيران، يعود لبنان إلى دائرة الضوء. هذا الاتفاق ليس وليد اللحظة، بل هو تتويج لسنوات من المفاوضات السرية والضغوط الاقتصادية التي مارستها واشنطن على طهران. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل هو اتفاق سلام أم هدنة مؤقتة؟
البعد المحلي: في لبنان، يعكس انقسام الشارع انقساماً سياسياً عميقاً. فالقوى التي تراهن على المحور الإيراني ترى في الاتفاق انتصاراً لمقاومتها، بينما تعتبره القوى الأخرى خضوعاً للإملاءات الأميركية. هذا الانقسام يعيد إلى الأذهان انقسامات الحرب الأهلية، حيث كل فريق يرى في الآخر عدواً. لكن الفرق اليوم أن السلاح لم يعد في أيدي الجميع، بل أصبح حكراً على طرف واحد، مما يجعل التوازنات أكثر هشاشة.
البعد الاقتصادي: اقتصادياً، يعيش لبنان أسوأ أزمة في تاريخه. الاتفاق قد يكون شريان حياة إذا ترافق مع إصلاحات، لكنه قد يكون أيضاً حبل مشنقة إذا استخدم كورقة ضغط. فالدول الخليجية التي وعدت بدعم لبنان اشترطت إبعاد حزب الله عن القرار، والاتفاق قد يسهل هذه المهمة. لكن في المقابل، قد يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال إذا شعر المستثمرون بعدم الاستقرار.
البعد الإقليمي: إقليمياً، الاتفاق يعيد ترتيب الأوراق. فسوريا والعراق واليمن ستتأثر حتماً، حيث أن إيران قد تحصل على ضوء أخضر أميركي لتعزيز نفوذها في هذه الدول مقابل انسحابها من لبنان. هذا السيناريو يثير قلق السعودية وإسرائيل، اللتين قد تلجآن إلى خيارات عسكرية لمواجهة النفوذ الإيراني المتزايد. وبالتالي، فإن الاتفاق قد يكون بداية لمرحلة جديدة من التوتر الإقليمي، وليس نهايته.
البعد العالمي: عالمياً، الاتفاق يعكس تحولاً في الاستراتيجية الأميركية من المواجهة العسكرية إلى الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية. فترامب، الذي بنى سمعته على معاداة إيران، يبدو أنه يسعى إلى إنجاز دبلوماسي قبل الانتخابات المقبلة. هذا يذكرنا باتفاق أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، الذي كان أكثر إثارة للجدل منه حلاً حقيقياً.
توقعات مستقبلية: في المستقبل القريب، من المتوقع أن تشهد الساحة اللبنانية حراكاً سياسياً مكثفاً، مع محاولات لتشكيل حكومة جديدة قادرة على التعامل مع الاتفاق. لكن إذا استمرت الخلافات، فقد نرى انفجاراً أمنياً جديداً. على المدى البعيد، قد يؤدي الاتفاق إلى إعادة تعريف دور حزب الله، إما بتحويله إلى حزب سياسي محض أو بتجريده من سلاحه. لكن هذا سيتطلب توافقاً لبنانياً نادراً.
في النهاية، يبقى لبنان اختباراً حقيقياً لنجاح الاتفاق. فإذا تمكن اللبنانيون من تجاوز خلافاتهم وبناء دولة قوية، فقد يكون الاتفاق نواة لسلام إقليمي. لكن إذا استمر التشرذم، فسيبقى لبنان ضحية دائمة للصراعات الدولية.