ثقافة وفن

أوركسترا المياه الكونية: 30 ألف غالون تروي سيمفونية الأطباق المغنية في نيويورك

ستاف كوانتم·فريق التحرير١٦ يونيو ٢٠٢٦ في ٠٢:٣٢ م4 دقائق قراءة
أوركسترا المياه الكونية: 30 ألف غالون تروي سيمفونية الأطباق المغنية في نيويورك

في معرض فريد من نوعه، يحول الفنان الصوتي الفرنسي سيلست بورسييه-موجينو قاعة أرموري في نيويورك إلى مسرح مائي عائم، حيث تطفو مئات الأطباق المغنية على سطح 30 ألف غالون من الماء لتعزف موسيقى الأفلاك. العمل الفني يدمج بين الطبيعة والتكنولوجيا، مقدماً تجربة حسية استثنائية تثير أسئلة حول العلاقة بين الإنسان والصوت والمكان.

في قاعة الدرع ببارك أفنيو في نيويورك، تحولت مساحة ضخمة من الحديد والزجاج إلى بركة هادئة تعج بالأطباق الخزفية التي تطفو وتتصادم بلطف، مولدة نغمات عشوائية لكنها متناغمة بشكل غامض. هذا هو عمل الفنان الفرنسي سيلست بورسييه-موجينو، الذي استخدم 30 ألف غالون من الماء ومئات الأطباق المغنية لخلق "موسيقى الأفلاك"، وهو تركيب صوتي بصري يأخذ الزوار في رحلة تأملية. الأطباق المغنية، المعروفة في التقاليد الشرقية بقدرتها على إنتاج ترددات مهدئة، توضع في حوض ضخم مصمم خصيصاً. تتحرك الأطباق بحرية على سطح الماء، مدفوعة بتيارات خفيفة وحركة الزوار، فتصطدم ببعضها البعض أو بحواف الحوض، محدثة نغمات تتراوح بين الخافت والجهوري. العمل لا يعتمد على أي مؤثرات إلكترونية أو تسجيلات مسبقة، بل هو نتاج لحظي للتفاعل الطبيعي بين العناصر. بورسييه-موجينو ليس غريباً عن التجارب الصوتية غير التقليدية. فقد اشتهر بأعماله التي تستخدم الطيور في أقفاصها لتأليف الموسيقى، أو تحويل أشجار الصنوبر إلى آلات وترية. لكن هذا المشروع الجديد يأخذ فكرة العشوائية المنظمة إلى مستوى آخر. فالماء، بصفته وسيطاً متحركاً باستمرار، يصبح عازفاً رئيسياً في الأوركسترا، بينما الأطباق الخزفية هي الآلات التي تعزف لحنها الخاص. الزوار مدعوون للتجول حول الحوض، حيث يتغير الصوت بحسب موقعهم. بعضهم يجلس على مقاعد خشبية منحوتة، بينما يفضل آخرون الوقوف عند الحواف، متأملين في حركة الأطباق التي تشبه رقصة باليه مائية. يقول بورسييه-موجينو إن الفكرة جاءته من مشاهدته لأمواج البحر وهي تضرب الصخور، ومن الرغبة في ترجمة تلك الموسيقى الطبيعية إلى لغة فنية معاصرة. العمل الفني يطرح تساؤلات عميقة حول دور الصدفة في الإبداع، وكيف يمكن للأنظمة الطبيعية أن تولد جمالاً غير متوقع. كما أنه يذكرنا بأن الموسيقى ليست حكراً على الآلات التقليدية، بل يمكن أن تنبثق من أي شيء - حتى من قطرات الماء وصدام الخزف. في زمن تهيمن عليه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، يعود بورسييه-موجينو بنا إلى الأساسيات: الصوت الخام، والمادة الأولية، والتفاعل البشري المباشر. المعرض، الذي يستمر لعدة أسابيع، يجذب جمهوراً متنوعاً من عشاق الفن والموسيقى والعلم. فبينما ينبهر البعض بالجمال الصوتي، يرى آخرون فيه استعارة للكون نفسه، حيث تتصادم الكواكب والنجوم في صمت أبدي، لكنها تخلق معاً سيمفونية لا نهاية لها. ربما يكون هذا هو جوهر العمل: تذكيرنا بأن النظام والفوضى وجهان لعملة واحدة، وأن الموسيقى الحقيقية تكمن في التناغم بينهما.

رأي ستاف كوانتم

في عصر يموج بالضجيج الرقمي والضوضاء الاصطناعية، يأتي عمل سيلست بورسييه-موجينو بمثابة غيمة هادئة في سماء الفن المعاصر. يمكن النظر إلى تركيب 'موسيقى الأفلاك' على أنه أكثر من مجرد عرض فني؛ إنه بيان جمالي وفلسفي يعيد تعريف علاقتنا بالصوت والمكان. فالماء، بصفته عنصراً أساسياً للحياة، يتحول هنا إلى ناقل للموسيقى، والأطباق الخزفية التي كانت تستخدم في الطقوس الشرقية للتأمل والشفاء، تصبح أدوات لخلق حوار كوني.

من الناحية التاريخية، يمكن تتبع جذور هذا العمل إلى تيارات فنية سابقة مثل 'الموسيقى الملموسة' التي ظهرت في منتصف القرن العشرين، والتي سعت إلى استخدام الأصوات الطبيعية والصناعية كمادة خام للتأليف الموسيقي. لكن بورسييه-موجينو يذهب أبعد من ذلك، حيث يزيل الحدود بين العازف والآلة، وبين الصدفة والنية. فالماء والأطباق ليسا مجرد أدوات، بل كائنات حية تتفاعل مع بعضها ومع الجمهور، منتجة موسيقى فريدة في كل لحظة.

على المستوى الاقتصادي، يعكس هذا العمل تحولاً في سوق الفن نحو التجارب الغامرة التي تقدم قيمة مضافة للجمهور. ففي وقت تتنافس فيه المؤسسات الفنية على جذب الزوار، تقدم أعمال مثل هذا تجربة لا يمكن تكرارها عبر الإنترنت أو الوسائط الرقمية. وهذا يفسر الإقبال الكبير على المعرض، حيث تذاع التذاكر بسرعة رغم ارتفاع أسعارها نسبياً.

أما على الصعيد السياسي والثقافي، فيطرح العمل تساؤلات حول الهوية والتراث. فالأطباق المغنية ترتبط بالبوذية والهندوسية، لكنها هنا تُستخدم في سياق غربي معاصر، مما يثير جدلاً حول التملك الثقافي والاستشراق. ومع ذلك، يبدو أن بورسييه-موجينو يتعامل مع هذه المواد بحساسية، محولاً إياها إلى أدوات عالمية تتجاوز الحدود الجغرافية والدينية.

إقليمياً، يمكن مقارنة هذا العمل بظاهرة 'آلات الصوت' في العالم العربي، مثل آلة القانون أو العود التي تعتمد على الرنين الطبيعي. فالفكرة نفسها موجودة في تراثنا الموسيقي، لكنها تقدم هنا بشكل تجريبي معاصر. ربما يكون هذا العمل دعوة للفنانين العرب لإعادة اكتشاف إرثهم الصوتي بطرق جديدة.

في المستقبل، من المتوقع أن نشهد المزيد من الأعمال التي تدمج بين الطبيعة والتكنولوجيا، حيث يصبح الجمهور جزءاً من العملية الإبداعية. وقد يكون هذا الاتجاه هو السائد في الفنون الأدائية خلال العقد القادم، خاصة مع تزايد الاهتمام بالاستدامة والعودة إلى العناصر الطبيعية.

في النهاية، 'موسيقى الأفلاك' ليست مجرد معرض؛ إنها تجربة وجودية تذكرنا بأن الجمال يكمن في العشوائية، وأن الموسيقى ليست حكراً على البشر، بل هي لغة الكون التي تنبض في كل شيء، من أصغر ذرة إلى أكبر مجرة.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من ثقافة وفن

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →