ثقافة وفن

أوبرا باروكية من تأليف امرأة: قصة هرقل تعود لتثير جدل الإكراه والموافقة

ستاف كوانتم·فريق التحرير١٦ يونيو ٢٠٢٦ في ٠٩:١٣ ص4 دقائق قراءة
أوبرا باروكية من تأليف امرأة: قصة هرقل تعود لتثير جدل الإكراه والموافقة

تقدم دار أوبرا باريس عملاً أوبرا باروكياً نادراً للمؤلفة أنطونيا بيمبو يعود لعام 1707، يعيد قراءة أسطورة هرقل من منظور معاصر يركز على قضايا الإكراه والموافقة، مما يثير نقاشاً حول دور المرأة في الفن والتاريخ.

في خطوة غير مسبوقة، تستعد دار أوبرا باريس لتقديم عمل أوبرا باروكي نادر من تأليف امرأة، هو "إركول أماتي" (هرقل في الحب) للمؤلفة الإيطالية أنطونيا بيمبو، التي عاشت في القرن السابع عشر. العمل الذي كُتب عام 1707، يُعاد اكتشافه اليوم ليقدم قراءة جديدة لأسطورة هرقل، مع تركيز شديد على قضايا الإكراه والموافقة في العلاقات، وكأنه مأخوذ من عناوين الصحف المعاصرة. تدور الأوبرا حول البطل الأسطوري هرقل، الذي يقع في حب الأميرة إيول، لكن القصة تتخذ منحى مظلماً حين يتحول الحب إلى هوس وإكراه. تعيد بيمبو، من خلال موسيقاها وكلماتها، صياغة الأسطورة الكلاسيكية لتسلط الضوء على معاناة المرأة في علاقات غير متكافئة القوة. هذا العمل ليس مجرد إعادة اكتشاف موسيقي، بل هو أيضاً لحظة تأمل في تاريخ الموسيقى الكلاسيكية، التي هيمن عليها الرجال لقرون. أنطونيا بيمبو، التي كانت مغنية ومؤلفة موسيقية في بلاط لويس الرابع عشر، تُعد واحدة من أوائل النساء اللواتي كتبن أوبرا كاملة. ورغم أن أعمالها طُمست لعصور، إلا أن عودتها اليوم تحمل رسالة قوية عن ضرورة إعادة النظر في تاريخ الموسيقى من منظور جندري. الأوبرا التي ستُعرض في قصر غارنييه الشهير، من إخراج جان بيير بونيو، الذي اختار توظيف عناصر بصرية حديثة كالإسقاطات الضوئية والرقص المعاصر، لإضفاء طابع معاصر على العمل. وبحسب النقاد، فإن الإخراج ينجح في جعل الجمهور يتفاعل مع قضايا الإكراه والموافقة بطريقة عاطفية وفكرية. الموسيقى نفسها تجمع بين الأسلوب الباروكي الإيطالي الكلاسيكي، مع بعض اللمسات الفرنسية التي تأثرت بها بيمبو خلال إقامتها في باريس. الألحان معقدة وتتطلب مهارات غنائية عالية، لكنها تحمل في طياتها مشاعر متضاربة من الحب والألم والغضب. من المثير للاهتمام أن هذا العمل يُعرض في وقت تشهد فيه الساحة الفنية العالمية نقاشات حادة حول التحرش والموافقة، خاصة في ضوء حركة "مي تو". إن إعادة اكتشاف عمل امرأة من القرن الثامن عشر يتناول هذه القضايا، يضيف بُعداً تاريخياً للنقاش المعاصر، ويذكرنا بأن هذه القضايا ليست جديدة. النقاد يثنون على الجرأة في اختيار العمل، ويرون فيه نموذجاً لكيف يمكن للفن القديم أن يتحدث إلى الحاضر. كما أن الأوبرا تفتح باباً لتسليط الضوء على مؤلفات أخريات طُمست أعمالهن، مثل فرانشيسكا كاتشيني وباربرا ستروزي. عروض الأوبرا ستستمر لمدة شهر كامل، ومن المتوقع أن تشهد إقبالاً كبيراً من الجمهور والنقاد على حد سواء. هذا العمل ليس مجرد حدث فني، بل هو أيضاً بيان ثقافي حول أهمية التنوع والشمولية في الفنون.

رأي ستاف كوانتم

إعادة اكتشاف أوبرا "هرقل في الحب" لأنطونيا بيمبو ليست مجرد حدث فني عابر، بل هي لحظة تأمل عميقة في تاريخ الفن والجنسانية. العمل الذي كُتب في زمن كانت فيه المرأة نادراً ما تُمنح فرصة التأليف الموسيقي، يعود اليوم ليطرح أسئلة لا تزال ملحة: كيف نتعامل مع علاقات القوة غير المتكافئة؟ وكيف يمكن للفن أن يكون أداة لفضح الإكراه؟

تاريخياً، كانت أوبرا القرن السابع عشر والثامن عشر مرآة للمجتمع، لكنها غالباً ما كانت تُكتب من منظور ذكوري. بيمبو، التي عاشت كامرأة مستقلة في بلاط لويس الرابع عشر، استطاعت أن تقدم رؤية مختلفة. إن اختيارها لأسطورة هرقل، التي ترمز للقوة الذكورية، وإعادة صياغتها لتظهر هرقل كمعتدي وليس بطلاً، هو تصحيح تاريخي مهم.

عند مقارنة هذا العمل بأوبرا كلوديو مونتيفيردي "تاج بويا" (1642)، التي تتناول أيضاً موضوع الإكراه، نجد أن معالجة بيمبو أكثر حساسية وتعقيداً. بينما كان مونتيفيردي يميل إلى تبرير تصرفات البطل الذكر، تقدم بيمبو صوت الضحية بوضوح. هذا الاختلاف يعكس حقيقة أن منظور المرأة يضيف بُعداً جديداً للعمل الفني.

اقتصادياً، يشير إحياء مثل هذه الأعمال إلى تحول في سوق الأوبرا، حيث يتزايد الطلب على أعمال نسائية ومهمشة. هذا يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة لدور الأوبرا والمسارح لاستكشاف ذخيرة غير تقليدية، مما قد يؤدي إلى تنويع مصادر الإيرادات وجذب جماهير جديدة.

إقليمياً، هذا العرض في باريس، عاصمة الموضة والفن، يضع فرنسا في موقع الريادة في دعم الفنون النسوية. لكنه أيضاً يذكرنا بأن العالم العربي، بتاريخه الموسيقي الغني، لا يزال بحاجة إلى إعادة اكتشاف مؤلفاته مثل ملك حفني ناصف وأم كلثوم كملحنة.

مستقبلاً، من المتوقع أن تلهم هذه الأوبرا المزيد من الباحثين للبحث في أرشيفات الكنائس والقصور بحثاً عن أعمال نسائية ضائعة. كما أنها ستشجع على إنتاج أعمال جديدة تتناول قضايا الموافقة والإكراه بجرأة أكبر. لكن يبقى التحدي في ضمان ألا تتحول هذه الأعمال إلى مجرد موضة عابرة، بل إلى جزء دائم من الذخيرة الأوبرالية.

في النهاية، "هرقل في الحب" هو أكثر من أوبرا؛ إنه بيان فني وسياسي يدعو إلى إعادة النظر في تاريخ الفن من منظور أكثر إنصافاً. إنه يذكرنا بأن الفن الحقيقي لا يخاف من مواجهة القضايا الشائكة، بل يستخدمها لدفع المجتمع نحو التفكير والتغيير.

شارك هذا الخبر:

شارك هذا الخبر

المصدر:ستاف كوانتم للأخبار الدوليةالمزيد من ثقافة وفن

عن الوكالة

ستاف كوانتم نيوز

وكالة إخبارية دولية متخصصة بتغطية الأخبار السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بنسختين عربية وإنجليزية.

Read in English →