في مشهد يلامس صراع الهوية الأميركية، يبرز مركز أوباما الرئاسي في الجانب الجنوبي من شيكاغو كصرح ثقافي وسياسي يحمل في طياته أكثر من مجرد أرشيف رئاسي. إذ أعلن باراك وميشيل أوباما عن تكليف 30 فناناً من خلفيات متنوعة بأعمال أصلية، في خطوة وُصفت بأنها الأكبر من نوعها في تاريخ المكتبات الرئاسية الأميركية. المشروع الذي تبلغ تكلفته 850 مليون دولار لا يقتصر على عرض مقتنيات رئاسية، بل يتحول إلى منصة للتعبير الفني تعكس رؤية أوباما للفن كأداة للتغيير الاجتماعي. الأعمال المكلفة تشمل منحوتات ضخمة وجداريات وتركيبات تفاعلية، تهدف إلى ربط الزوار بتجارب ثقافية غنية. في مقابل هذا التوجه، يبرز موقف الرئيس السابق دونالد ترامب الذي احتفل بعيد ميلاده الثمانين باستضافة حفل لبطولة القتال النهائي (UFC) في البيت الأبيض، في إشارة واضحة إلى تفضيله للثقافة الشعبية على الفنية الراقية. ترامب الذي ملأ المكتب البيضوي بصور رئاسية جامدة، عمل أيضاً على تقليص دور مؤسسات ثقافية عريقة مثل مركز كينيدي ومؤسسة سميثسونيان. التوقيت لم يكن مصادفة، فالإعلان عن المركز جاء عشية عيد Juneteenth الذي يخلّص ذكرى تحرير العبيد، مما يضفي بعداً رمزياً على المشروع. الأعمال الفنية المختارة تعكس تنوع أميركا، مع تركيز على أصوات مهمشة تقليدياً. المشروع يواجه انتقادات من بعض الأوساط التي ترى أن التكلفة الباهظة كان يمكن توجيهها لبرامج اجتماعية مباشرة. لكن المؤيدين يرون أن الاستثمار في الفنون هو استثمار في الهوية الوطنية، خاصة في وقت تتعرض فيه المؤسسات الثقافية للتهديد. من المتوقع أن يفتتح المركز أبوابه في عام 2026، ليكون منصة حوار حول دور الفن في السياسة. الأعمال الفنية المكلفة ستكون دائمة، مما يضمن استمرارية الرسالة عبر الأجيال. المركز لا يقتصر على كونه متحفاً، بل يضم مكتبة ومساحات تعليمية وحدائق عامة، مما يجعله مركزاً مجتمعياً متعدد الاستخدامات. هذا التصميم يعكس فلسفة أوباما في أن الإرث الرئاسي يجب أن يكون حياً ومتفاعلاً مع المجتمع. في النهاية، يطرح المركز سؤالاً جوهرياً: هل يمكن للفن أن يكون سلاحاً في المعركة الثقافية؟ الأجوبة تتوزع بين من يراه أداة للوحدة ومن يراه تعبيراً عن انقسام أعمق في المجتمع الأميركي.
أوباما يختار الفن رداً على ترامب: مركز رئاسي بـ850 مليون دولار يتحول إلى ساحة مواجهة ثقافية

يكشف مركز أوباما الرئاسي في شيكاغو عن تكليف 30 فناناً بأعمال أصلية، في خطوة غير مسبوقة بحجمها. المشروع الذي تبلغ تكلفته 850 مليون دولار يمثل إرثاً فنياً وسياسياً، ويأتي كرد فعل غير مباشر على سياسات ترامب الثقافية.
التحليل التحريري: بين رؤيتين للثقافة الأميركية
يمثل مركز أوباما الرئاسي ونظيره غير المعلن من ترامب قطبي الصراع الثقافي في أميركا. فمن جهة، نجد رؤية أوباما التي تعتبر الفن جسراً للتواصل وأداة للتنمية المجتمعية، ومن جهة أخرى رؤية ترامب التي تفضل الثقافة الجماهيرية وتعتبر المؤسسات التقليدية نخبوية.
تاريخياً، كانت المكتبات الرئاسية أماكن لحفظ الأرشيف، لكن أوباما يحولها إلى منصات للنشاط الاجتماعي. هذا التوجه يتماشى مع سياسته الخارجية التي استخدمت الدبلوماسية الثقافية كأداة ناعمة. في المقابل، سياسات ترامب الثقافية كانت دفاعية، تهدف إلى حماية تراث معين من التغيير.
اقتصادياً، المشروع الذي تبلغ تكلفته 850 مليون دولار سيوفر فرص عمل في منطقة تعاني من التهميش، لكنه أيضاً يثير تساؤلات حول الأولويات. هل الأفضل استثمار هذا المبلغ في التعليم المباشر أم في بنية تحتية ثقافية؟
سياسياً، المشروع يعزز مكانة الحزب الديمقراطي في ولاية إلينوي، لكنه قد يثير حفيظة الجمهوريين الذين يرون فيه هدراً للمال العام. إقليمياً، شيكاغو تعاني من عنف العصابات، والفن قد يكون وسيلة للحد من التوترات.
مستقبلاً، من المتوقع أن يصبح المركز نموذجاً للمكتبات الرئاسية القادمة، حيث أن بايدن قد يتبع نهجاً مشابهاً. لكن النجاح يعتمد على مدى قدرة المركز على جذب الزوار من خارج الدائرة الديمقراطية.
السيناريوهان المتعارضان: إما أن يصبح المركز منارة للفن التقدمي ويعزز الحوار بين الثقافات، أو أن يتحول إلى رمز للانقسام السياسي إذا فشل في جذب الجمهور المحافظ. التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين الالتزام برسالة أوباما والانفتاح على جميع الأميركيين.